معلومات الكتاب:

عنوان الكتابيوم تبلى السرائر
المؤلفعبد العزيز ناصر الجليل
الناشرالعبيكان للنشر
سنة النشر2013
عدد الصفحات239
تاريخ القراءة2022-03-03

  • وهل تتميز حقيقة المؤمن الصادق عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال والأحوال، إذ إن عبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح، والقلوب هي محل نظر الله -عَزَّ وَجَلَّ - وبها يتفاضل الناس عند ربهم - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -، وعليها مدار القبول أو الرد عند الله - عَزَّ وَجَلَّ. ص6

  • إن أساس التفاضل بين العباد في أعمالهم هو ما يقوم في القلوب من سريرة صالحة، تنطلق من الإخلاص والمحبة لله - عَزَّ وَجَلَّ -، والتعظيم له - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - ولأوامره ونواهيه. ولذا قد يشترك اثنان في عبادة واحدة: كالصدقة أو الصلاة أو الصيام أو الحج أو الجهاد أو الذكر، ويكون بينهما في الفضل والقبول عند الله - عَزَّ وَجَلَّ - كما بين السماء والأرض، وذلك حسب ما قام في السريرة عند أداء هذه العبادة. ولذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (والله يضاعف ذلك بحسب حال المنفق وإيمانه وإخلاصه وإحسانه، ونفع نفقته وقدرها، ووقوعها موقعها، فإن ثواب الإنفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الإيمان والإخلاص والتثبيت عند النفقة)(3). ص10

  • إن المعصية قد تكون كبيرة أو صغيرة بحسب ما يقوم بالقلب من تعظيم أمر المعصية، والحياء من الله - عَزَّ وَجَلَّ -، أو عكس ذلك من الاستهانة بالمعصية وقلة الحياء وعدم المبالاة، وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (وهاهنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن (الكبيرة) قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر. وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى رتبها، وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب. وهو قدر زائد على مجرد العقل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره)(4). ص11

  • يصف الشيخ السعدي رحمه الله تعالى القلب السليم بقوله: (والقلب السليم معناه: الذي سلم من الشرك والشك، ومحبة الشر، والإصرار على البدعة والذنب، ويلزم من سلامته مما ذكر اتصافه بأضدادها من الإخلاص والعلم واليقين ومحبة الخير وتزيينه في قلبه، وأن تكون إرادته ومحبته تابعة لمحبة الله وهواه تابعاً لما جاء عن الله)(6). ص18

  • وقد فصل الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أنواع الاعتراضات السارية في قلوب الناس، وذلك بقوله: (و ((الاعتراض)) ثلاثة أنواع سارية في الناس. والمعصوم من عصمه الله منها. النوع الأول: الاعتراض على أسمائه وصفاته بالشبه الباطلة، التي يسميها أربابها قواطع عقلية. وهي في الحقيقة خيالات جهلية، ومحالات ذهنية اعترضوا بها على أسمائه وصفاته - عَزَّ وَجَلَّ -، وحكموا بها عليه، ونفوا لأجلها ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وأثبتوا ما نفاه، ووالوا بها أعداءه، وعادوا بها أولياءه، وحرفوا بها الكلم عن مواضعه، ونسوا بها نصيباً كثيراً مما ذُكِّروا به، وتقطعوا لها أمرهم بينهم زبرا، كل حزب بما لديهم فرحون. والعاصم من هذا الاعتراض: التسليم المحض للوحي. فإذا سلم القلب له رأى صحة ما جاء به، وأنه الحق بصريح العقل والفطرة. فاجتمع له السمع والعقل والفطرة، وهذا أكمل الإيمان. ليس كمن الحربُ قائم بين سمعه وعقله وفطرته. ص24-25

  • النوع الثاني: الاعتراض على شرعه وأمره. وأهل هذا الاعتراض ثلاثة أنواع: أحدها: المعترضون عليه بآرائهم وأقيستهم، المتضمنة تحليل ما حرم الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -، وتحريم ما أباحه، وإسقاط ما أوجبه، وإيجاب ما أسقطه، وإبطال ما صححه، وتصحيح ما أبطله، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وتقييد ما أطلقه، وإطلاق ما قيده. وهذه هي الآراء والأقيسة التي اتفق السلف قاطبة على ذمها، والتحذير منها. وصاحوا على أصحابها من أقطار الأرض، وحذروا منهم، ونفروا عنهم. النوع الثاني: الاعتراض على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات، والكشوفات الباطلة الشيطانية، المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان رسوله، والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان، وحظوظ النفوس الجاهلة. ص25-26

  • النوع الثالث: الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة، التي لأرباب الولايات التي قدموها على حكم الله ورسوله، وحكموا بها بين عباده، وعطلوا لها وبها شرعه وعدله وحدوده. فقال الأولون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل. وقال الآخرون: إذا تعارض الأثر والقياس قدمنا القياس. وقال أصحاب الذوق والكشف والوجد: إذا تعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع قدمنا الذوق والوجد والكشف. وقال أصحاب السياسة: إذا تعارضت السياسة والشرع، قدمنا السياسة. فجعلت كل طائفة قُبالة دين الله وشرعه طاغوتا يتحاكمون إليه. فهؤلاء يقولون: لكم النقل، ولنا العقل. والآخرون يقولون: أنتم أصحاب آثار وأخبار، ونحن أصحاب أقيسة وآراء وأفكار. وأولئك يقولون: أنتم أرباب الظاهر، ونحن أهل الحقائق. والآخرون يقولون: لكم الشرع. ولنا السياسة. فيالها من بلية، عَمت فأعمَتْ، ورزية رَمَتْ فأصمَت، وفتنة دعت القلوب فأجابها كل قلب مفتون، وأهوية عصفت، فصُمَّت منها الآذان، وعميت بها العيون. عطلت لها – والله – معالم الأحكام، كما نفيت لها صفات ذي الجلال والإكرام. واستند كل قوم إلى ظلم وظلمات آرائهم، وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم، وصار لأجلها الوحي عرضة لكل تحريف وتأويل، والدين وقفاً على كل إفساد وتبديل. ص27-28

  • الاعتراض الثالث: الاعتراض على أفعاله وقضائه وقدره. وهذا اعتراض الجهال. وهو ما بين جلي وخفي، وهو أنواع لا تحصى. وهو سار في النفوس سريان الحمى في بدن المحموم. ولو تأمل العبد كلامه وأمنيته وإرادته وأحواله، لرأى ذلك في قلبه عياناً. فكل نفس معترضة على قَدَر الله وقَسْمه وأفعاله، إلا نفسا قد اطمأنت إليه، وعرفته حق المعرفة، التي يمكن وصول البشر إليها. فتلك حظها التسليم والانقياد، والرضى كل الرضا)(12). ص28-29

  • قوله تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ)[الحج: 37]. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (فالناس يشتركون في الهدايا والضحايا، والله لا يناله الدم المهراق ولا اللحم المأكول، والتصدق بـه، لكن يناله تقوى القلوب. وفي الآثر: إن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحداً، وبين صلاتهما كما بين المشرق والمغرب. فإذا عرف أن الأعمال الظاهرة يعظم قدرها ويصغر قدرها بما في القلوب، وما في القلوب يتفاضل - لا يعرف مقادير ما في القلوب من الإيمان إلا الله - عرف الإنسان أن ما قاله الرسول كله حق… وقد ثبت في الصحيحين عن النبي أنه قال: ((لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه)) (17). وذلك أن الإيمان الذي كان في قلوبهم حين الإنفاق في أول الإسلام وقلة أهله، وكثرة الصوارف عنه، وضعف الدواعي إليه لا يمكن أحداً أن يحصل له مثله ممن بعدهم. وهذا يعرف بعضه من ذاق الأمور، وعرف المحن والابتلاء الذي يحصل للناس، وما يحصل للقلوب من الأحوال المختلفة. وهذا مما يُعرف به أن أبا بكر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - لن يكون أحد مثله، فإن اليقين والإيمان الذي كان في قلبه لا يساويه فيه أحد. قال أبو بكر بن عيَّاش: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في قلبه. وهكذا سائر الصحابة حصل لهم بصحبتهم للرسول، مؤمنين به مجاهدين معه، إيمان ويقين لم يشركهم فيه من بعدهم)(18). ص34-35

  • قوله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[آل عمران: 29]. يقول السعدي رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (ثم أخبر عن سعة علمه لما في النفوس خصوصاً، ولما في السموات والأرض عموماً، وعن كمال قدرته، ففيه إرشاد إلى تطهير القلوب واستحضار علم الله كل وقت، فيستحي العبد من ربه أن يرى قلبه محلا لكل فكر رديء، بل يشغل أفكاره فيما يقرب إلى الله من تدبر آية من كتاب، أو سنة من أحاديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، أو تصور وبحث في علم ينفعه أو نصح لعباد الله)(25). ص40

  • قيل لحمدون بن أحمد: (ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام ونجاة النفوس ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفوس وطلب الدنيا ورضا الخلق) ص53

  • كان الشافعي رحمه الله تعالى يقول: (ينبغي للعالم أن يكون له خبيئة من العمل الصالح فيما بينه وبين الله - عَزَّ وَجَلَّ -، ولا يعتمد على العلم فقط، فإنه قليل الجدوى في الآخرة) ص58

  • ويقول شيخ الإسلام: (والعبد قد يأتي بالحسنة بنية وصدق وإخلاص تكون أعظم من أضعافها)(68)، وقال ابن المبارك: (رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية) ص63

  • والإخلاص عمل قلبي باعثه معرفة الله - عَزَّ وَجَلَّ - بأسمائه وصفاته، التي تثمر محبة الله - عَزَّ وَجَلَّ - والخوف منه وتعظيمه ورجاءه واليقين بوعده ووعيده. فإذا تمكنت هذه الأعمال الجليلة من القلب قادته إلى العبودية الصادقة لله - عَزَّ وَجَلَّ - وتوحيده لا شريك له، وأصبح الباعث لجميع الأعمال والأقوال والأحوال الظاهرة هو إرادة وجه الله - عَزَّ وَجَلَّ - والدار الآخرة. ص63

  • وعن سفيان الثوري رحمه الله تعالى أنه كتب إلى أخ له: (واحـذر حب المنزلة، فإن الزهـادة فيها أشـد من الزهـادة في الدنيا)(74). وعن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى قال: (لم يصدق الله من أحب الشهرة)(75). وكان خالد بن معدان رحمه الله تعالى (إذا عظمت حلقته قام وانصرف كراهة الشهرة)(76). وقال الزهري رحمه الله تعالى: (ما رأينا الزهد في شيء أقل منه في الرياسة. ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال، فإذا نوزع الرياسة حامى عليها وعادى)(77). ص69

  • ذكر ابن القيم أن رجلاً رأى (ربيعة الرأي) يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: (استفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم. قال: ولبعض من يفتي هاهنا أحق بالسجن من السراق)(82). ثم نقل ابن القيم رحمه الله تعالى عن بعض العلماء قولهم: (فكيف لو رأى ربيعة زماننا وإقدام من لا علم عنده على الفتيا وتوثبه عليها، ومد باع التكلف إليها، وتسلقه بالجهل والجرأة عليها مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة) ص73

  • وليعلم كل امرئ أن الشيطان لا يرضى ولا يقر إذا رأى من العبد عمل سر أبداً، وإنه لن يتركه حتى يجعله في العلانية، ذلك لأن أعمال السر هي أشد أعمال على الشيطان، وأبعد أعمال عن مخالطة الرياء والعجب والشهرة، وإذا انتشرت أعمال السر بين المسلمين ظهرت البركة وعم الخير بين الناس، وإن ما نراه من صراع على الدنيا سببه الشح الخارجي والشح الخفي، فأما الأول فمعلوم، وأما الثاني فهو البخل بالطاعة في السر، إذ إنها لا تخرج إلا من قلب كريم قد ملأ حب الله سويداءه، وعمت الرغبة فيما عنده أرجاءه، فأنكر نفسه في سبيل ربه، وأخفى عمله يريد قبوله من مولاه، فأحبب بهذي الجوارح المخلصة والنفوس الطيبة الصافية النقية التي تخفي عن شمالها ما تنفق يمينها)(91). ص77-78

  • قال مطرف بن عبدالله: (لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إليَّ من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً)(116). وقال مسروق: (كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله)(117). وجاء عن ابن حزم قال: (كانت فيَّ عيوب، ومنها عجب شديد، فناظر عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها حتى ذهب كله، ولم يبق والحمد لله أثر، بل كلفت نفسي احتقار قدرها جملة واستعمال التواضع)(118). ص92

  • وللإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كلام نفيس في علاج العجب، وذلك في حديثه عن شهود العبد ذنوبه، وحكمة الله - عَزَّ وَجَلَّ - في تخليته بين العبد والذنب، إذ يقول: (ومنها أن الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - إذا أراد بعبده خيراً أنساه رؤية طاعته ورفعها من قلبه ولسانه، فإذا ابتلي بالذنب جعله نصب عينيه ونسي طاعاته، وجعل همّه كله بذنبه، فلا يزال ذنبه أمامه إن قام أو قعد أو غَدَا أو راح، فيكون هذا عين الرحمة في حقّه. كما قال بعض السّلف: إن العبد ليعمل الذنب فيدخل به الجنة، ويعمل الحسنة فيدخل بها النار. قالوا: وكيف ذلك؟ قال: يعمل الخطيئة فلا تزال نصب عينيه كلما ذكرها بكى وندم وتاب واستغفر وتضرّع وأناب إلى الله وذلّ له وانكسر وعمل لها أعمالاً فتكون سبب الرحمة في حقه. ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه يمنّ بها ويراها ويعتدّ بها على ربّه وعلى الخلق ويتكبّر بها ويتعجّب من الناس كيف لا يعظمونه ويكرمونه ويجلونه عليها، فلا تزال هذه الأمور به حتى تقوى عليه آثارها فتدخله النار، فعلامة السعادة أن تكون حسنات العبد خلف ظهره وسيئاته نصب عينيه، وعلامة الشقاوة أن يجعل حسناته نصب عينيه وسيئاته خلف ظهره، والله المُستعان. ومنها أن شهود العبد ذنوبه وخطاياه مُوجب له أن لا يرى لنفسه على أحد فضلاً ولا له على أحد حقًّا فإنه يشهد عيوب نفسه وذنوبه، فلا يظنّ أنه خير من مسلم يؤمن بالله ورسوله ويحرّم ما حرّم الله ورسوله، وإذا شهد ذلك من نفسه لم يرَ لها على الناس حقوقاً من الإكرام يتقاضاهم إيّاها ويذمهم على ترك القيام بها، فإنها عنده أخسّ قدراً وأقل قيمة من أن يكون له بها على عباد الله حقوق يجب عليهم مراعاتها، أو له عليهم فضل يستحق أن يكرم ويعظم ويقدّم لأجلها، فيرى أن من سلم عليه أو لقيه بوجه منبسط فقد أحسن إليه وبذل له ما لا يستحقه، فاستراح هذا في نفسه وأراح الناس من شكايته وغضبه على الوجود وأهله، فما أطيب عيشه، وما أنعم باله، وما أقرّ عينه، وأين هذا ممّن لا يزال عاتباً على الخلق، شاكياً ترك قيامهم بحقه ساخطاً عليهم وهم عليه أسخط)(121). ص94-95

  • وقد ذكر الشيخ عبدالرحمن المعلمي رحمه الله تعالى في كتابه النفيس (التنكيل) مجموعة من الأسباب التي توقع في الهوى والتعصب ورد الحق وأهمها ضعف الإخلاص، ثم أعقبها بذكر صور من الهوى وصور من العلاج لهذا الهوى، أسوقها للقارئ الكريم مختصرة لفائدتها. قال رحمه الله تعالى: (ومخالفة الهوى للحق في الاعتراف بالحق من وجوه: الأول: أن يرى الإنسان أن اعترافه بالحق يستلزم اعترافه بأنه كان على باطل، فالإنسان ينشأ على دين أو اعتقاد أو مذهب أو رأي يتلقاه من مربيه ومعلمه على أنه حق، فيكون عليه مدة ثم إذا تبين له أنه باطل شق عليه أن يعترف بذلك، وهكذا إذا كان آباؤه أو أجداده أو متبوعه على شيء، ثم تبين له بطلانه، وذلك أنه يرى أن نقصهم مستلزم لنقصه، فاعترافه بضلالهم أو خطئه اعتراف بنقصه. الوجه الثاني: أن يكون قد صار له في الباطل جاه وشهرة ومعيشة، فيشق عليه أن يعترف بأنه باطل فتذهب تلك الفوائد. الوجه الثالث: الكبر، يكون الإنسان على جهالة أو باطل فيجيء آخر فيبين له الحجة، فيرى أنه إن اعترف كان معنى ذلك اعترافه بأنه ناقص، وأن ذلك الرجل هو الذي هداه، ولهذا ترى من المنتسبين إلى العلم من لا يشق عليه الاعتراف بالخطأ إذا كان الحق يتبين له ببحثه ونظره، ويشق عليه ذلك إذا كان غيره هو الذي بيَّن له. الوجه الرابع: الحسد، وذلك إذا كان غيره هو الذي بين الحق فيرى أن اعترافه بذلك الحق يكون اعترافاً لذلك المبين بالفضل والعلم والإصابة، فيعظم ذلك في عيون الناس، ولعله يتبعه كثير منهم، وإنك لتجد من المنتسبين إلى العلم من يحرص على تخطئة غيره من العلماء ولو بالباطل حسداً منه لهم، ومحاولة لحط منزلتهم عند الناس…)(124). ثم أخذ رحمه الله تعالى بعد ذلك يذكر بعض الصور التي تكون عند بعض أهل العلم ويكون دافعها الهوى والتعصب، فيقول: (.. فنجد ذا الهوى كلما عرض عليه دليل لمخالفيه أو ما يوهن دليلاً لأصحابه شق عليه ذلك واضطرب واغتاظ وسارع إلى الشغب، فيقول في دليل مخالفيه: هذه شبهة باطلة مخالفة للقطعيات، وهذا المذهب مذهب باطل لم يذهب إليه إلا أهل الزيع والضلال…، ويؤكد ذلك بالثناء على مذهبه وأشياخه، ويعد المشاهير منهم ويطريهم بالألفاظ الفخمة، والألفاظ الضخمة، ويذكر ما قيل في مناقبهم ومثالب مخالفيهم، وإن كان يعلم أنه لا يصح أو أنه باطل، ومن أوضح الأدلة على غلبة الهوى على أكثر الناس -أنك تراهم- على أديان مختلفة ومقالات متباينة، ومذاهب متفرقة، وآراء متدافعة ثم تراهم كما قال الله تبارك وتعالى: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)[المؤمنون: 53]. فلا تجد من ينشأ على شيء من ذلك ويثبت عليه يرجع عنه إلا القليل، وهؤلاء القليل يكثر أن يكون أول ما بعثهم على الخروج عما كانوا عليه أغراض دنيوية..)(125). ص97-99

  • والواجب على العالم وطالب العلم أن يفتش عن هوى نفسه حتى يعرفه ثم يحترز منه ويمعن النظر في الحق من حيث هو حق، فإن بان له أنه مخالف لهواه آثر الحق على هواه…)(127) أ.هـ. ص101

  • إن الوقوع في الباطل والضلال بسبب الجهل يكون علاجه بالعلم والبصيرة في الدين. أما البقاء على الباطل بعد تبين بطلانه ورد الحق بعد ما تبين أنه الحق فإن علاج هذا المرض الخطير لا ينفع فيه العلم وإزالة الشبهة، لأن سببه الهوى وضعف الإخلاص والتعصب وليس الجهل والشبهة، ومثل هذا لا ينفع فيه إلا أن يذكر بتقوى الله - عَزَّ وَجَلَّ - والخوف من عقابه - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -، كما يذكر بشرف الحق واتباعه والثواب العظيم الذي يكتبه الله - عَزَّ وَجَلَّ - للمتبعين للحق والمؤثرينه على أهوائهم وشهواتهم، ص102

  • يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى وهو يفصل في حكمة الله تعالى في قضائه وتخليته بين العبد والذنب: (ومنها: أنه يوجب له الإمساك عن عيوب الناس والفكر فيها، فإنه في شغل بعيب نفسه، فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وويل لمن نسي عيبه وتفرغ لعيوب الناس. هذا من علامة الشقاوة كما أن الأول من أمارات السعادة)(129). وقال في موطن آخر: (فمن عرف نفسه اشتغل بإصلاحها عن عيوب الناس، من عرف ربه اشتغل به عن هوى نفسه، أنفع العمل أن تغيب فيه عن الناس بالإخلاص وعن نفسك بشهود المنة فلا ترى فيه نفسك ولا ترى الخلق)(130). ص106

  • جاء عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنه قال: ((ألا أخبركم بخياركم)) قالوا بلى. قال: ((الذين إذا رؤوا ذكر الله. أفلا أخبركم بشراركم)). قالوا: بلى. قال: ((المشاؤون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون للبرآء العيب))(131). وجاء في الزهد لابن المبارك عن العلاء بن المسيب عن أبي الضحى قال: سمعته يقول: (إن عباد الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين إذا رؤوا ذكر الله)(132). ص107

  • يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه، وربما اغتر المغتر، وقال: إنما يحملني على المعاصي حسن الرجا، وطمعي في عفوه، لا ضعف عظمته في قلبي، وهذا من مغالطة النفس، فإن عظمة الله تعالى وجلاله في قلب العبد تقتضي تعظيم حرماته، وتعظيم حرماته تحول بينه وبين الذنوب. المتجرئون على معاصيه ما قدروا الله حق قدره، وكيف يقدره حق قدره، أو يعظمه ويكبره، ويرجو وقاره ويجله من يهون عليه أمره ونهيه؟ هذا من أمحل المحال، وأبين الباطل. وكفى بالعاصي عقوبة أن يضمحل من قلبه تعظيم الله جل جلاله، وتعظيم حرماته، ويهون عليه حقه)(139). ص111

  • إن استحضار معنى العبودية لله - عَزَّ وَجَلَّ - حين أداء العمل الصالح شرط في قبوله، والحصول على ثماره اليانعة في الدنيا والآخرة، وحينما يصاحب العامل شعور العبودية لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فإنه يكون محافظاً على شروط صحتها وقبولها عند الله تعالى، وأهم هذه الشروط الإخلاص لله تعالى والمتابعة لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وكلما كان شهود معنى العبودية لله تعالى في الأعمال أقوى وأكمل كان ذلك دليلاً على قوة الإيمان في القلب وصلاح السريرة. وعندما يغفل العبد عن شهود العبودية لله تعالى في أداء الأعمال وترك النواهي، فإن باعث العادة والإلف هو الذي يغلب على أعماله، ومن ثم تضعف ثمار هذه الأعمال، وقد يخسرها عند الله - عَزَّ وَجَلَّ -. ص117

  • يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (إن التواضع يتولد من بين العلم بالله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله، ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها. فيتولّد من بين ذلك كله خلقٌ هو التواضع، وهو: انكسار القلب لله، وخفض جناح الذل والرحمة بعباده، فلا يرى له على أحدٍ فضلاً، ولا يرى له عند أحدٍ حقًّا، بل يرى الفضل للناس عليه، والحقوق لهم قِبَلَه، وهذا خُلقٌ إنما يُعطيه الله - عَزَّ وَجَلَّ - من يُحبُّه ويُكرمه ويُقرِّبه)(154). ص124

  • ويتحدث الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عن صور التواضع للدين والحق، فيقول: (التواضع للدين: هو الانقياد لما جاء به الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، والاستسلام له، والإذعان. وذلك بثلاثة أشياء: الأول: أن لا يعارض شيئاً مما جاء به بشيء من المعارضات الأربعة السارية في العالم، المسماة: بالمعقول، والقياس، والذوق، والسياسة. فالأولى: للمنحرفين من أهل الكبر من المتكلمين، الذي عارضوا نصوص الوحي بمعقولاتهم الفاسدة. وقالوا: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل، وعزلنا النقل. إما عزل تفويض، وإما عزل تأويل. والثانيـة: للمتكبرين من المنتسبـين إلى الفقـه، قالوا: إذا تعارض القياس والرأي والنصوص قدمنا القياس على النص، ولم نلتفت إليه. والثالثة: للمتكبرين المنحرفين من المنتسبين إلى التصوف والزهد. فإذا تعارض عندهم الذوق والأمر. قدموا الذوق والحال، ولم يعبأوا بالأمر. والرابعة: للمتكبرين المنحرفين من الولاة والأمراء الجائرين. إذا تعارضت عندهم الشريعة والسياسة. قدموا السياسة، ولم يلتفتوا إلى حكم الشريعة. فهؤلاء الأربعة: هم أهل الكبر. والتواضع التخلص من ذلك كله)(155). ص125

  • وعن كنانة بن جبلة السلمي قال: قال بكر بن عبدالله: إذا رأيت من هو أكبر منك، فقل: هذا سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو خير مني، وإذا رأيت من هو أصغر منك، فقل: سبقتُه إلى الذنوب والمعاصي فهو خير مني، وإذا رأيت إخوانك يكرمونك ويعظّمونك فقل: هذا فضلٌ أخذوا به، وإذا رأيت منهم تقصيراً فقل: هذا ذنب أحدثته)(179). ص133

  • ومن لوازم حب الخير للمسلمين طهارة القلب من الحقد والحسد. والحسد مرض من أمراض القلوب الشائعة بين الناس وحقيقته الاعتراض على قدر الله - عَزَّ وَجَلَّ -، وحكمته في المنع والعطاء والشدة والرخاء. وماهية الحسد كراهية نعمة الله - عَزَّ وَجَلَّ - على عبد من عباده، وتمني زوالها عن صاحبها. وللحسد غوائل وأخطار مهلكة للدين، ويدل على فساد في السريرة. ص134-135

  • ومن لوازم محبة الخير للمسلمين واجتماع كلمتهم الدالة على صلاح السريرة نبذ التعصب والحزبية المقيتة، ولاسيما بين المنتسبين لعقيدة واحدة ومنهاج واحد. فلا ترى صاحب القلب السليم والسريرة الصالحة إلا محبًّا لكل داعية وجماعة، تدعو إلى الله - عَزَّ وَجَلَّ - على بصيرة ولو لم يعرفهم، أو يلتقي بهم يفرح بأي باب من الخير يفتحه الله - عَزَّ وَجَلَّ - على يد من كان من عباده، ويفرح بأي باب من الشر يغلق على يد من كان ذلك، يحبهم ويدعو لهم، ويعينهم إن كان قادراً على ذلك. ص139

  • عن معاذ بن جبل - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أنه قال سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يقول: ((أحب العباد إلى الله تعالى الاتقياء الأصفياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا شهدوا لم يعرفوا، أولئك هم أئمة الهدى ومصابيح العلم))(206). ص168

  • وقد ثبت في الصحيحين عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنه قال: ((لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه))(212). وذلك أن الإيمان الذي كان في قلوبهم حين الإنفاق في أول الإسلام وقلة أهله، وكثرة الصوارف عنه، وضعف الدواعي إليه لا يمكن أحداً أن يحصل له مثله ممن بعدهم. وهذا يعرف بعضه من ذاق الأمور، وعرف المحن والابتلاء الذي يحصل للناس، وما يحصل للقلوب من الأحوال المختلفة. وهذا مما يُعرف به أن أبا بكر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - لن يكون أحد مثله، فإن اليقين والإيمان الذي كان في قلبه لا يساويه فيه أحد. قال أبو بكر بن عيَّاش: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في قلبه. ص173

  • يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (إن للخلوة تأثيرات تبين في الجلوة، كم من مؤمن بالله - عَزَّ وَجَلَّ - يحترمه عند الخلوات فيترك ما يشتهى حذراً من عقابه، أو رجاء لثوابه، أو إجلالا له، فيكون بذلك الفعل كأنه طرح عوداً هنديًّا على مجمر، فيفوح طيبه، فيستنشقه الخلائق، ولا يدرون: أين هو. وعلى قدر المجاهدة في ترك ما يهوى تقوى محبته، أو على مقدار زيادة دفع ذلك المحبوب المتروك يزيد الطيب، ويتفاوت تفاوت العود. فترى عيون الخلق تعظم هذا الشخص، وألسنتهم تمدحه، ولا يعرفون لم. ولا يقدرون على وصفه لبعدهم عن حقيقة معرفته. وقد تمتد هذه الأرابيح بعد الموت على قدرها، فمنهم من يذكر بالخير مدة مديدة، ثم ينسى. ومنهم من يُذكر مئة سنة، ثم يخفى ذكره وقبره. ومنهم أعلام يبقى ذكرهم أبداً. وعلى عكس هذا من هاب الخلق، ولم يحترم خلوته بالحق. فإنه على قدر مبارزته بالذنوب، وعلى مقادير تلك الذنوب، يفوح منه ريح الكراهة، فتمقته القلوب. فإن قلَّ مقدار ما جنى قلَّ ذكر الألسن له بالخير، وبقي مجرد تعظيمه. وإن كثر كان قصارى الأمر سكوت الناس عنه، لا يمدحونه ولا يذمونه. ورب خال بذنب كان سبب وقوعه في هوة شقوة في عيش الدنيا والآخرة، وكأنه قيل له: إبق بما آثرت. فيبقى أبدا في التخبيط. فانظروا إخواني إلى المعاصي، أثرت وعثرت. قال أبو الدرداء - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: إن العبد ليخلو بمعصية الله تعالى، فيُلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر. فتلمحوا ما سطرته، واعرفوا ما ذكرته. ولا تهملوا خلواتكم ولا سرائركم، فإن الأعمال بالنية، والجزاء على مقدار الإخلاص)(220). ص178-180

  • وقال ابن بطال: في تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة وتدبير لطيف، لأنه لو علم وكان ناجياً أُعجب وكسل، وإن كان هالكاً ازداد عتواً، فحجب ذلك ليكون بين الخوف والرجاء، وقد روى الطبري عن حفص بن حميد قال: قلت لابن المبارك: رأيت رجلاً قتل رجلاً ظلماً، فقلت في نفسي أنا أفضل من هذا. فقال: أَمْنك على نفسك أشـد من ذنبـه. قـال الطبري: لأنه لا يدري ما يؤول إليه الأمر، لعل القاتل أن يتوب، فيقبل الله توبته، ولعل الذي أنكر عليه يختم له بخاتمة السوء)(228). 185

  • يقول مطرف بن عبدالله بن الشخير رحمه الله تعالى: (تذاكرت ما جماع الخير. فإذا الخير كثير: الصيام والصلاة، وإذا هو في يد الله - عَزَّ وَجَلَّ -، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله، إلا أن تسأله فيعطيك، فإذا جماع الخير في الدعاء)(233). ص194

  • معرفة الله عز وجل من أهم أسباب صلاح السريرة

  • يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (فإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه إذا أراد أن يكرم عبده بمعرفته وجمْع قلبه على محبته، شرح صدره لقبول صفاته العلى وتلقيها من مشكاة الوحي، فإذا ورد عليه شيء منها قابله بالقبول، وتلقاه بالرضا والتسليم، وأذعن له بالانقياد، فاستنار به قلبه، واتسع له صدره، وامتلأ به سروراً ومحبة… وليست حاجة الأرواح قط إلى شيء أعظم منها إلى معرفة بارئها وفاطرها، ومحبته وذكره والابتهاج به، وطلب الوسيلة إليه والزلفى عنده، ولا سبيل إلى هذا إلا بمعرفة أوصافه وأسمائه، فكلما كان العبد بها أعلم كان بالله أعرف، وله أطلب وإليه أقرب، وكلما كان لها أنكر كان بالله أجهل، وإليه أكره ومنه أبعد)(242). ص197

  • قال حميد الطويل لسليمان بن علي: عظني فقال: (لئن كنت إذا عصيت الله خالياً ظننت أنه يراك لقد اجترأت على أمر عظيم، ولئن كنت تظن أنه لا يراك فلقد كفرت)(249). ص201

  • وقال ابن خبيق: قال لي حذيفة المرعشي: إنما هي أربعة. عيناك ولسانك وهواك وقلبك. فانظر عينيك لا تنظر بهما إلى ما لا يحل لك، وانظر لسانك لا تقل به شيئاً يعلم الله خلافه من قلبك، وانظر قلبك لا يكن فيه غل ولا دغل على أحد من المسلمين، وانظر إلى هواك لا تهوى شيئاً يسخط الله - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فما لم تكن فيك هذه الأربع الخصال، فالرماد على رأسك)(250). ص201

  • وعن حاتم الأصم قال: (تعاهد نفسك في ثلاث: إذا عملت فاذكر نظر الله إليك، وإذا تكلمت فاذكر سمع الله منك، وإذا سكت فاذكر علم الله فيك)(251). ص201

  • قصر الأمل والزهد في الدنيا والتذكر الدائم للموت ولليوم الآخر، والاستعداد للقاء الله - عَزَّ وَجَلَّ -، ذلك لأن من أعظم ما يكدر القلوب ويفسد السرائر الركون إلى الدنيا، والغفلة عن الآخرة، لأن القلب عندما يمتلأ بحب الدنيا وإيثارها على الآخرة لا تجد المواعظ إليه سبيلا، بل تتوارد عليه الآفات والأمراض حتى تكدره، ويصبح مظلماً، لا يعرف معروفاً، لا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه. قد أصبحت الدنيا همه، يحسد عليها، ويحقد، ويشح ويبخل، ويحب ويبغض، ويفرح ويحزن من أجلها، وكفى بذلك مرضاً وهلاكاً للقلب وإفساداً للسريرة. والعكس من ذلك حينما يمتلأ القلب بذكر الموت وما بعده من أمور الآخرة، ويتجافى عن الدنيا وزينتها الفانية، فإن القلب يصفو ويستنير، والسريرة تصلح، وتثمر لصاحبها الثمار اليانعة في الدنيا والآخرة. قال أبو الدرداء - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: (من أكثر ذكر الموت قل فرحه وقل حسده)(255). ص203

  • كيف يتم للعبد زهده في الدنيا وإقباله على الآخرة؟ يجيب الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى على ذلك، فيقول: (لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين: النظـر الأول: النظـر في الدنيـا وسرعـة زوالهـا وفنائهـا واضمحلالها ونقصها وخستها، وألم المزاحمة عليها والحرص عليها، وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد، وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب من الحسرة والأسف، فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها، وهم في حال الظفر بها، وغم وحزن بعد فواتها. فهذا أحد النظرين. النظر الثاني: في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولا بد، ودوامها، وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات، والتفاوت الذي بينه وبين ما هاهنا، فهي كما قال - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -: (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)[الأعلى: 17]، فهي خيرات كاملة دائمة، وهذه خيالات ناقصة منقطعة ومضمحلة. فإذا تم له هذان النظران آثر ما يقتضي العقل إيثاره وزهد فيما يقتضي الزهد فيه)(256). ص204

  • ويتحدث [ابن القيم] في موطن ثالث عن قصر الأمل ودوره في الزهد في الدنيا وصلاح القلوب، فيقول رحمه الله تعالى: (فأما قصر الأمل: فهو العلم بقرب الرحيل، وسرعة انقضاء مدة الحياة. وهو من أنفع الأمور للقلب. فإنه يبعثه على معافصة الأيام، وانتهاز الفرص التي تمر مَرَّ السحاب، ومبادرة طَيِّ صحائف الأعمال، ويثير ساكن عزماته إلى دار البقاء، ويحثه على قضاء جهاز سفره، وتدارك الفارط، ويزهده في الدنيا، ويرغبه في الآخرة. فيقوم بقلبه - إذا داوم مطالعة قصر الأمل - شاهدٌ من شواهد اليقين، يريه فناء الدنيا، وسرعة انقضائها، وقلة ما بقي منها، وأنه قد ترحلت مُدْبِرَة، ولم يبق منها إلا صُبابة كصبابة الإناء، يتصابُّها صاحبها، وأنها لم يبق منها إلا كما بقي من يوم صارت شمسه على رءوس الجبال، ويرى بقاء الآخرة ودوامها، وأنها قد ترحلت مقبلة، وقد جاء أشراطُها وعلاماتها، وأنه من لقائها كمسافر خرج صاحبه يتلقاه، فكل منهما يسير إلى الآخر، فيوشك أن يلتقيا سريعاً. ص206

  • ومما له علاقة بالزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة المبادرة في تدارك أوقات العمر النفيسة، والحذر من إهدارها فيما لا ينفع، فضلاً عما يضر، فإن من الآفات التي تضر بالقلب ضياع الأوقات، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (وكل آفة تدخل على العبد فسببها ضياع الوقت وفساد القلب، وتعود بضياع حظه من الله - عَزَّ وَجَلَّ -، ونقصان درجته ومنزلته عنده، وقال بعض الشيوخ: احذروا مخالطة من تضيع مخالطته الوقت وتفسد القلب)(260). ص208

  • ومن أنفع المجالس وأصلحها مجالس أهل العلم والتقى لأنه بالعلم الذي لديهم تحرق الشبهات، وبالتقوى والورع وحسن السريرة تحرق الشهوات، وترى فيهم القدوات في خوفهم من الله تعالى، وتعظيمهم له - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - ولأوامره ونواهيه، فإذا زالت الشبهات بالعلم، والشهوات بالتقوى صلحت السرائر والقلوب. ص209

  • ومن أفضل الأعمال الصالحة التي لها أثر في إصلاح السرائر كثرة ذكر الله - عَزَّ وَجَلَّ - في اليوم والليلة، والثناء عليه - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - وتحميده وتسبيحه وتمجيده واستغفاره. فذكر الله - عَزَّ وَجَلَّ - يذيب قسوة القلب ويزيل صدأه. قال رجل للحسن: يا أبا سعيد أشكو إليك قسوة القلب. قال: أذبه بالذكر)(265). كما أن في ذلك أكبر العون من الله تعالى لعبده، وحفظه له من الزيغ والانحراف باطناً وظاهراً، فقد جاء في الحديث القدسي: ((أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم….))(266) الحديث. وأفضل الذكر قراءة القرآن وتدبره، حيث إن في ذلك حياة القلوب وصلاحها واطمئنانها. ص211-212

  • ومن أسباب صلاح السريرة البعد عن الذنوب والمعاصي، لأن من عقوبات الذنوب مرض القلب وتكدره وفساده، لا سيما إذا تراكمت عليه الذنوب، وحصل الإصرار عليها، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (ومن عقوباتها أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه… فإن تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، بل الذنوب أمراض القلوب وداؤها، لا دواء لها إلا تركها… ولا تحسب أن قوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ(13)وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ)[الانفطار: 13، 14]، مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل في دورهم الثلاثة هم كذلك – أعني دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار – فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم، وهل النعيم إلا نعيم القلب)(267). ص212

  • وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى عدة مصالح في محاسبة النفس، منها: (الاطلاع على عيوب النفس، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته، فإذا اطلع على عيبها مقتها في ذات الله تعالى. وقد روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قال: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتاً… وقال يونس بن عبيد: إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن في نفسي منها واحدة… ومن فوائد محاسبة النفس: أنه يعرف بذلك حق الله تعالى، ومن لم يعرف حق الله تعالى عليه فإن عبادته لا تكاد تجدي عليه شيئاً، وهي قليلة المنفعة جدًّا)(272). ص214

  • وهذا هو ابن الجوزي رحمه الله تعالى يحاسب نفسه، فيقول: (تفكرت في نفسي يوماً تفكر محقق، فحاسبتها قبل أن تحاسب، ووزنتها قبل أن توزن، فرأيت اللطف الرباني، من بدء الطفولة وإلى الآن، أرى لطفاً بعد لطف، وستراً على قبيح، وعفواً عما يوجب عقوبة، وما أرى لذلك شكراً إلا باللسان. ولقد تفكرت في خطايا لو عوقبت ببعضها لهلكت سريعاً، ولو كشف للناس بعضها لاستحييت، ولا يعتقد معتقد عند سماع هذا أنها من كبائر الذنوب، حتى يظن فيَّ ما يظن في الفساق، بل هي ذنوب قبيحة في حق مثلي، وقعت بتأويلات فاسدة، فصرت إذا دعوت أقول: اللهم بحمدك وسترك عليَّ اغفر لي، ثم طالبت نفسي بالشكر على ذلك فما وجدته كما ينبغي، ثم أنا أتقاضى منه مراداتي، ولا أتقاضى نفسي بصبر على مكروه، ولا بشكر على نعمة، فأخذت أنوح على تقصيري في شكر المنعم، وكوني أتلذذ بإيراد العلم من غير تحقيق عمل به. وقد كنت أرجو مقامات الكبار، فذهب العمر وما حصل المقصود، فوجدت أبا الوفاء بن عقيل قد ناح نحو ما نحت، فأعجبتني نياحته فكتبتها هاهنا، قال لنفسه: يا رعناء تقوِّمين الألفاظ ليقال: مناظر. وثمرة هذا أن يقال: يا مناظر، كما يقال للمصارع الفاره. ضيعت أعز الأشياء وأنفسها عند العقلاء، وهي أيام العمر حتى شاع لك بين من يموت غداً اسم المناظر، ثم ينسى الذاكر والمذكور إذا درست القلوب! هذا إن تأخر الأمر إلى موتك، بل ربما نشأ شاب أفره منك فموهوا له وصار الاسم له. والعقلاء عن الله تشاغلوا بما – إذا انطووا – نشرهم وهو العمل بالعلم، والنظر الخالص لنفوسهم. أف لنفسي، وقد سطرت عدة مجلدات في فنون العلوم وما عبق بها فضيلة، إن نُوظِرَت شَمَخَتْ، وإن نُوصِحتْ تَعَجْرفت، وإن لاحت الدنيا طارت إليها طيران الرخم، وسقطت عليها سقوط الغراب على الجيف، فليتها أخذت أخذ المضطر من الميتة. توفر في المخالطة عيوباً تبلى، ولا تحتشم نظر الحق إليها. وإن انكسر لها غرض تضجرت، فإن امتدت بالنعم اشتغلت عن المنعم. أف والله مني، اليوم على وجه الأرض وغداً تحتها، والله إن نتن جسدي بعد ثلاث تحت التراب أقل من نتن خلائقي وأنا بين الأصحاب، والله إنني قد بهرني حلم هذا الكريم عني، كيف سترني وأنا أتهتك، ويجمعني وأنا أتشتت؟! وغداً يقال: مات الحبر العالم الصالح، ولو عرفوني حق معرفتي بنفسي ما دفنوني، والله لأنادين على نفسي نداء المتكشفين معائب الأعداء، ولأنوحن نوح الثاكلين إذ لا نائح لي ينوح عليَّ لهذه المصائب المكتومة، والخلال المغطاة التي قد سترها من خبرها، وغطاها من علمها. والله ما أجد لنفسي خلة أستحسن أن أقول متوسلاً بها: اللهم اغفـر لي كـذا بكـذا. والله ما التفت قط إلا وجدت منه - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - بِرَّاً يكفيني ووقاية تحميني مع تسلط الأعداء، ولا عرضت حاجة فمددت يدي إلا قضاها. هذا فعله معي وهو رب غني عني، وهذا فعلى وأنا عبد فقير إليه، ولا عذر لي، فأقول: ما دريت أو سهوت. والله لقد خلقني خلقاً صحيحاً سليماً، ونور قلبي بالفطنة، حتى إن الغائبات، والمكتومات تنكشف لفهمي. فواحسرتاه على عمر انقضى فيما لا يطابق الرضا، واحرماني لمقامات الرجال الفطناء، يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله، وشماتة العدو بي، واخيبة من أحسن الظن بي إذا شهدت الجوارح عليَّ، واخذلاني عند إقامة الحجة، سخر والله مني الشيطان، وأنا الفطن. اللهم توبة خالصة من هذه الأقذار، ونهضة صادقـة لتصفيـة ما بقي من الأكـدار، وقـد جئتك بعد الخمسين، وأنا من خَلِقِ المتاع، وأبى العلم إلا أن يأخذ بيدي إلى معدن الكرم، وليس لي وسيلة إلا التأسف والندم، فوالله ما عصيتك جاهلاً بمقـدار نعمك، ولا ناسياً لما أسلفت من كرمك، فاغفر لي سالف فعلي)(275) أ.هـ. ص217-220

  • الحذر من اليأس في إصلاح السريرة، ولا سيما حينما يحاسب الواحد منا نفسه ويفتش في قلبه، فيجد من الآفات ما قد يدخل من خلالها الشيطان، فيخيل للإنسان استحالة الإصلاح، فيحصل اليأس والبقاء على سوء الحال، بل قد تزيد وتتفاقم الأمراض لعدم علاجها والسعي في التخلص منها، وهذا ما يريده الشيطان، فينبغي الحذر من هذا الأمر، وسد هذا الباب على الشيطان، والاستغاثة بالله - عَزَّ وَجَلَّ - في إصلاح الباطن والظاهر، ومن يصدق الله - عَزَّ وَجَلَّ - يصدقه الله جل وعلا. ص227-228

  • الحذر من الحكم على بواطن الناس من بعض أعمالهم وأقوالهم الظاهرة فإن ما في القلوب والسرائر لا يعلمه إلا الله - عَزَّ وَجَلَّ -، وقد يكون في قلب رجل من الصلاح والخير ما لا يعلمه الناس ولكن الله يعلمه، ونحن لم نؤمر أن نشق عن قلوب الناس إلا إذا ظهرت قرينة لا تحتمل اللبس من قول أو فعل يدل على فساد في الباطن. ولذا ينبغي للعبد أن لا يرى له فضل على أحد من المسلمين المستورين في أحوالهم، بمجرد أن يرى الإنسان من نفسه فضلاً في عبادة أو عمل صالح، فقد يكون عند المفضول خبيئة من عمل صالح لا يعلمها إلا الله - عَزَّ وَجَلَّ -، وقد لا يكون عنده كثير عبادة ونوافل ولكن قام في قلبه من الإخلاص والإخبات واليقين والمحبة والخوف والرجاء ما ليس عند الفاضل، فيكون بذلك أقرب إلى الله - عَزَّ وَجَلَّ - ممن فاقه كثرة في الأعمال، والمقصود أن يطامن العبد من نفسه ولا يحتقر غيره، فالعبرة بما في القلوب، وهذا لا يعلمه إلا علام الغيوب. ص231