معلومات الكتاب:

عنوان الكتابعلو الهمة
المؤلفمحمد إسماعيل المقدم
الناشردار الإيمان
سنة النشر2004
عدد الصفحات424
تاريخ القراءة2022-01-22

  • علو الهمة: “هو استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور” وقيل: “خروج النفْس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل”. ص7

  • والعامة تقول: قيمة كل امرئ ما يحسن. والخاصة تقول: “قيمة كل امرئ ما يطلب”، يريد: أن قيمة المرء همته ومطلبه. ص8

  • وقال ابن القيم في “مدارج السالكين همة العبد إذا تعلقت بالحق تعالى طلبًا صادقًا خالصًا محضًا، فتلك هي الهمة العالية، التي “لا يتمالك صاحبها” أي: لا يقدر على المهلة، ولا يتمالك صبره، لغلبة سلطانه عليه، وشدة إلزامها إياه بطلب المقصود “ولا يلتفت عنها” إلى ما سوى أحكامها، وصاحب هذه الهمة: سريع وصوله وظفره بمطلوبه، ما لم تعقه العوائق، وتقطعه العلائق، والله اعلم) (1) اهـ. ص8

  • وقال أيضًا: (علو الهمة: أن لا تقف دون الله، ولا تتعوض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلاً منه، ولا تبيع حظها من الله، وقربه والأنس به، والفرح والسرور والابتهاج به، بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية، فالهمة العالية على الهمم: كالطائر العالي على الطيور، لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التى تصل إليهم، فإن “الهمة” كلما علت، بعدت عن وصوله الآفات إليها، وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان، فإن الآفات قواطع وجواذب، وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه، وإنما تجتذب من المكان السافل، فعلو همة المرء: عنوان فلاحه، وسفول همته: عنوان حرمانه) (2) اهـ. ص9

  • وقد عُرف بالدليل أن الهمة مولودة مع الآدمي، وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات، فإذا حُثَّتْ سارت، ومتى رأيت في نفسك عجزًا فسل المنعم، أو كسلًا فسل الموفق، فلن تنال خيرًا إلا بطاعته، فمن الذي أقبل عليه ولم ير كل مراد؟ ومن الذي أعرض عنه فمضى بفائدة؟ أو حظي بغرض من أغراضه؟) اهـ. ص10

  • وقوله -رحمه الله-: “وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات” بسبب عجز أو كسل، أو ركون إلى وسوسة الشيطان، وركوب الهوى، وتسويل النفس الأمارة بالسوء، فهنا تحتاج الهمة إلى إيقاظ وتنبيه وتذكير برضا من تطلب؟ وفي أي نعيم ترغب؟ ومن أي عقاب ترهب؟ ص10

  • قال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى-: (إن الله سبحانه وتعالى لما اقتضت حكمته ورحمته إخراج آدم وذريته من الجنة، أعاضهم أفضل منها، وهو ما أعطاهم من عهده الذي جعله سببًا موصِّلاً لهم إليه، وطريقًا واضحًا بَيِّنَ الدلالة عليه، من تمسك به؛ فاز واهتدى، ومن أعرض عنه؛ شقي وغوى، ولما كان هذا العهد الكريم، والصراط المستقيم والنبأ العظيم، لا يُوصَل إليه أبدًا إلا من باب العلم والإرادة، فالإرادة باب الوصول إليه، والعلم مفتاح ذلك الباب المتوقف فتحُه عليه، وكمال كل إنسان إنما يتم بهذين النوعين “همة تُرَقِّيه” و “علم يُبصِّره، ويهديه”،فإن مراتب السعادة والفلاح إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين، أو من إحداهما: إما أن لا يكون له علم بها، فلا يتحرك في طلبها، أو يكون عالمًا بها، ولا تنهض همته إليها فلا يزال في حضيض طبعه محبوسًا، وقلبه عن كماله الذي خُلِق له مصدودًا منكوسًا، قد أسام نفسه مع الأنعام راعيًا مع الهَمَل، واستطاب لِقِيعات الراحة والبطالة، واستلان فراش العجز والكسل، لا كمن رُفع له عَلَم فشمَّر إليه، وبورك له في تفرده في طريقه طلبه فلزمه، واستقام عليه، قد أبت غلبات شوقه إلا الهجرة إلى الله ورسوله، ومقتت نفسه الرفقاء إلا ابن سبيل يرافقه في سبيله. ولما كان كمال الإرادة بحسب كمال مرادها، وشرفُ العلم تابعًا لشرف معلومه، كانت نهاية سعادة العبد الذي لا سعادة له بدونها، ولا حياة له إلا بها؛ أن تكون إرادته متعلقة بالمراد الذي لا يبلى ولا يفوت، وعزمات همته مسافرة إلى حضرة الحي الذي لا يموت، ولا سبيل له إلى هذا المطلب الأسنى، والحظ الأوفى؛ إلا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله وحبيبه الذي بعثه لذلك داعيًا، وأقامه على هذا الطريق هاديًا، وجعله واسطة يينه وببين الأنام، وداعيًا لهم بإذنه إلى دار السلام، وأبى سبحانه أن يفتح لأحد منهم إلا على يديه، أو يقبل من أحدٍ منهم سعيًا إلا أن يكون مبتدئًا منه، ومنتهيًا إليه، - صلى الله عليه وسلم -) (1) اهـ. ص11-12

  • قال ابن القيم -رحمه الله-: [كمال الإنسان مداره على أصلين: معرفة الحق من الباطل، وإيثار الحق على الباطل (2) وما تفاوتت منازل الخلق عند الله تعالى في الدنيا والآخرة؛ إلا بقدر تفاوت منازلهم في هذين الأمرين… ص12-13

  • وقال أيضًا (ابن القيم )-رحمه الله -: (فمن الناس من يكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها، وتكون هذه القوة أغلب القوتين عليه، ويكون ضعيفًا في القوة العملية يبصر الحقائق، ولا يعمل بموجبها، ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب، ولا يتوقاها (2)، فهو فقيه ما لم يحضر العمل، فإذا حضر العمل شارك الجهال في التخلف وفارقهم في العلم، وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم، والمعصوم من عصمه الله ولا قوة إلا بالله. ومن الناس من تكون له القوة العملية الإرادية، وتكون أغلب القوتين عليه، وتقتضي هذه القوة السير والسلوك والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والجِد التشمير في العمل، ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقائد، والانحرافات في الأعمال والأقوال والمقامات، كما كان الأول ضعيف العقل عند ورود الشهوات، فداء هذا من جهله، وداء الأول من فساد إرادته، وضعف عقله وهذا حال أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم، بل على طريق الذوق والوجد والعادة، يُرى أحدهم أعمى عن مطلوبه لا يدري من يعبد؟ ولا بماذا يعبده؟ فتارة يعبده بذوقه ووَجده، وتارة يعبده بعادة قومه وأصحابه من لبس معين، وكشف رأس أو حلق لحية ونحوها، وتارة يعبده بالأوضاع التي وضعها بعض المتحذلقين وليس لها أصل في الدين، وتارة يعبده بما تحبه نفسه وتهواه كائنًا ما كان، وهنا طرق ومتاهات لا يحصيها إلا رب العباد. فهؤلاء كلهم عمي عن ربهم وعن شريعته ودينه، لا يعرفون شريعته ودينه الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه، ولا يقبل من أحدٍ دينًا سواه، كما أنهم لا يعرفون صفات ربهم التي تعرَّف بها إلى عباده على ألسنة رسله، ودعاهم إلى معرفته ومحبته من طريقها. فلا معرفة له بالرب ولا عبادة له. ومن كانت له هاتان القوتان؛ استقام له سيره إلى الله، ورجي له النفوذ، وقوي على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته، فإن القواطع كثيرة، شأنها شديد، لا يخلص من حبائلها إلا الواحد بعد الواحد، ولولا القواطع والآفات لكانت الطريق معمورة بالسالكين، ولو شاء الله لأزالها، وذهب بها، ولكن الله يفعل ما يريد، “والوقت -كما قيل- سيف فإن قطعته، وإلا قطعك”، فإذا كان السر ضعيفًا، والهمة ضعيفة، والعلم بالطريق ضعيفًا، والقواطع الخارجة والداخلة كثيرة شديدة؛ فإنه جهد البلاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء، إلا أن يتداركه الله برحمة منه من حيث لا يحتسب، فيأخذ بيده ويخلصه من أيدي القواطع، والله ولي التوفيق) اهـ. ص14-15

  • الهمة عمل قلبي، والقلب لا سلطان عليه لغير صاحبه، وكما أن الطائر يطير بجناحيه، كذلك يطير المرء بهمته، فتحلق به إلى أعلى الآفاق، طليقةً من القيود التي تكبل الأجساد. ص16

  • **قوَّةٌ المؤًمِن في قَلُبهِ **قال الإمام المحقق “ابن القيم” -رحمه الله-: (اعلم أن العبد إنما يقطع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته لا ببدنه، والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب، لا تقوى الجوارح، قال تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}، وقال: {لن ينال الله لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم}، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: “التقوى هنا”، وأشار إلى صدره، فالكَيِّس يقطع من المسافة بصحة العزيمة، وعلو الهمة، وتجريد القصد، وصحة النية، مع العمل القليل أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير، والسفر الشاق فإن العزيمة والمحبة تُذهب المشقة وتُطَيِّب السير، والتقدم والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم؛ وصدق الرغبة، والعزيمة، فيتقدم صاحب الهمة مع سكونه صاحب العمل الكثير بمراحل، فإن ساواه في همته تقدم عليه بعمله، وهذا موضع يحتاج إلى تفصيل يوافق فيه الإسلامُ الإحسانَ، فأكمل الهدي هديُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان موفيًا كل واحدٍ منهما حقه، فكان مع كماله وإرادته وأحواله مع الله يقوم حتى ترم قدماه، ويصوم حتى يقال لا يفطر، ويجاهد في سبيل الله، ويخالط أصحابه، ولا يحتجب عنهم، ولا يترك شيئًا من النوافل والأوراد لتلك الواردات التي تعجز عن حملها قوى البشر) اهـ. ص18

  • **حياة القلب بالعلم والهمة **(إن ضعْفَ الإرادةِ والطلب من ضعفِ حياةِ القلبِ، وكلَّما كان القَلبُ أتمَّ حياةً، كانت همُّتُهُ أعلى، وإرادتُهُ ومحبتهُ أقوى، فإنَّ الإرادةَ والمحبةَ تَتبَعُ الشعور بالمرادِ المحبوب، وسلامةَ القلبِ من الآفةِ التي تَحولُ بينَهُ وبينَ طلبِه لإرإدتِهِ، فضعفُ الطلب وفتورُ الهمَّةِ إما من نقصانِ الشعور والإحساس، وإمَّا من وجودِ الآفةِ المضعفِة للحياةِ، فقَوةُ الشعورِ وقوةُ الإرادةِ دليلٌ على قوةِ الحياةِ، وضَعْفُها دليل على ضَعْفِها، وكما أنَّ علوَّ الهمةِ، وصدقَ الإرادةِ، والطلبَ من كمالِ الحياة، فهُو سبب إلى حصولِ أكملِ الحياةِ وأطيَبِها، فإِنَّ الحياةَ الطيبةَ إنَّما تُنالُ بالهمَّةِ العالية، والمحبةِ الصادقةِ، والِإرادةِ الخالصةِ، فعلى قَدرِ ذلك تكونُ الحياةُ الطيبةُ، وأخَسُّ الناس حياةً أخسُّهُم همَّةً، وأضعفُهم محبةً وطلبًا، وحياةُ البهائمَ خير من حياتِهِ، والسبب الذي يجعل كثيرًا من الناس يطلبون الأدنى من الأمور، ويقصدون ما لا يملك لهم ضرًّا ولا نفعًا -فساد العلم، وكثرة الجهل، وضعف الهمَّة، فكلَّما صحَّ العلم، وانتفى الجهل، وصحَّت العزيمة، وعظمت الهمَّة؛ طلب الِإنسان معالي الأمور) ص18-19

  • قال الله تعالى: {إن سعيكم لشتَّى}. والهمة رزق من الله عز رجل، والله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ومن حكمته سبحانه أن فاضل بين خلقه في قواهم العملية، كما فاضل بينهم في قواهم العلمية. ص24

  • وقال الإمام ابن دقيق العيد -رحمه الله-: ص26 الجسم يُذيبه حقوقُ الخِدمَة … والقلب عذابه علوُّ الهمة والعمر بذاك ينقضى في تعب … والراحة ماتت فعليها الرحمة

  • قال الإمام المحقق (ابن القيم) -رحمه الله-: (وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يُدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة، فاتته الراحة، وأنَّ بحسب ركوب الأهوال، واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة، فلا فرحة لمن لا هَمَّ له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبد قليلًا، استراح طويلًا، وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة قادة لحياة الأبد، وكل ما فيه أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة، والله المستعان، ولا قوة إلا بالله. وكلما كانت النفوس أشرف، والهمة أعلى، كان تعب البدن أوفر، وحظه من الراحة أقل. وقال مسلم في “صحيحه”: (قال يحيي بن أبى كثير: “لا يُنال العلم براحة البدن”). ولا ريب عند كل عاقل أن كمال الراحة بحسب التعب، وكمال النعيم بحسب تحمل المشاق في طريقه، وإنما تخلص الراحة واللذة والنعيم في دار السلام، فأما في هذه الدار فكلا ولمَّا) (1) اهـ. ص28

  • قيل للإمام أحمد: “متى يجد العبد طعم الراحة؟ “، فقال: “عند أول قدم في الجنة”. ص30

  • ومن أراد الجنة سلعةَ الله الغالية لم يلتفت إلى لوم لائم، ولا عذل عاذل، ومضى يكدح في السعي لها: قال تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا} وقال - صلى الله عليه وسلم -: “من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة” (1)، وقدر السلعة يُعرف بقدر مشتريها، والثمن المبذول فيها، والمنادي عليها، فإذا كان المشتري عظيمًا، والثمن خطيرًا، والمنادي جليلاً؛ كانت السلعة نفيسة: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}. ص32

  • قال القاسم بن سلام: (دخلت البصرة لأسمع من “حماد بن زيد”، فإذا هو ميت، فشكوت ذلك إلى “ابن مهدي”، فقال لي: “مهما سُبِقْتَ، فلا تُسْبَقَنَّ بتقوى الله”. ص40

  • إن كبير الهمة على الإطلاق من يتحرى الفضائل، لا للذة، ولا لثروة، ولا لاستشعار نخوة، واستعلاء على البرية، بل يتحرى مصالح العباد شاكرًا بذلك نعمة الله، وطالبًا به مرضاته غير مكترث بقلة مصاحبيه، فإنه إذا عظم المطلوب قلَّ المساعد، وطرق العلاء قليلة الِإيناس. ص41

  • عن ابن جدعان قال: (سمع عمر رجلًا يِقول: “اللهم اجعلني من الأقلين”، فقال: “يا عبد الله! وما الأقلون؟ “، قال: سمعت الله يقول. {وما آمن معه إلا قليل}، {وقليل من عبادي الشكور}، وذكر آيات أخر، فقال عمر: “كل أحد أفقه من عمر”). وقال سفيان بن عيينة: “اسلكوا سبل الحق، ولا تستوحشوا من قلة أهلها”. وقال الفضيل بن عياض -رحمه الله-: “الزم طريق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين”. ص41

  • وكبير الهمة -كما يقول الإمام المحقق ابن القيم -رحمه الله تعالي-: (لا يكترث بمخالفه الناكبين عنه له، فإنهم هم الأقلون قدرًا، وإن كانوا الأكثرين عددًا، كما قال بعض السلف: “عليك بطريق الحق، ولا تستوحش لقلة السالكين” وكلما استوحشت في تفردك؛ فانظر إلى الرفيق السابق، واحرص على اللحاق بهم، وغُضَّ الطرف عمن سواهم، فإنهم لن يُغنوا عنك من الله شيئًا، وإذا صاحوا بك في طريق سيرك، فلا تلتفت إليهم، فإنك متى التفت إليهم أخذوك، وعاقوك) (1) اهـ. ص44

  • فإن رفض ذلك الإنسان الارتقاء إلى عِليين، وعشق الظلمة، ومقت النور، وأبى إلا أن يهبط بنفسه إلى وَحْل الشهوات، فتمرَّغ فيها، وانحطَّ إلى نزوات الحُمُر، وسفاسف الأمور، ونزغات الشياطين، وتثاقل إلى الأرض؛ سقط إلى سِجِّين، وما أدراك ما سجين، وانحدر دون مرتبة ذوات الحوافر، قال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون}. ص45

  • يا خاطبَ الدنيا إلى نفسها … تنحَّ عن خِطبتها تَسْلم إن التي تخطبُ غرَّارة … قريبةُ العُرْس من المأتم ص47

  • يقول الإمام المحقق ابن قيم الجوزية -رحمه الله-: (لا شيء أقبح بالإنسان من أن يكون غافلاً عن الفضائل الدينية، والعلوم النافعة، والأعمال الصالحة، فمن كان كذلك فهو من الهمج الرَّعاع، الذين يكدرون الماء، ويغلون الأسعار، إن عاش عاش غير حميد، وإن مات مات غير فقيد، فقدهم راحة للبلاد والعباد، ولا تبكي عليهم السماء، ولا تستوحش لهم الغبراء) (1) اهـ. وقال أيضًا -رحمه الله- في الذين حُرِموا العلم والبصيرة، والهمة والعزيمة: (هم الموصوفون بقوله تعالى: {إن شَرَّ الدُّوَابِّ عند اللهِ الصم البكم الذين لا يعقلون}، وبقوله: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً}، وبقوله: {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء} وبقوله: {وما أنت بمُسمعٍ من في القبور}. وهذا الصنف شر البرية، رؤيتهم قذى العيون، وحُمَّى الأرواح، وسقم القلوب، يضيقون الديار، ويغلون الأسعار، ولا يستفاد من صحبتهم إلا العار والشنار، وعند أنفسهم أنهم يعلمون ولكن ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون، ويعلمون ولكن ما يضرهم ولا ينفعهم، وينطقون، ولكن عن الهوى ينطقون، ويتكلمون ولكن بالجهل يتكلمون، ويؤمنون ولكن بالجبت والطاغوت، ويعبدون ولكن من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ويجادلون ولكن بالباطل ليدحضوا به الحق، ويتفكرون ويبيتون، ولكن ما لا يرضى من القول، ويدعون، ولكن مع الله إلهًا آخر يدعون، ويحكمون ولكن حكم الجاهلية يبغون، ويقولون: إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، فهذا الضرب: ناس بالصورة، وشياطين بالحقيقة، وجلهم إذا فكرت لها حمير أو كلاب أو ذئاب … {كمثل الحمار يحمل أسفارًا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين}) اهـ. ص50-51

  • ومن عجائب الإنسان أنه إذا أراد شيئاً من المخلوقات، ثم حصل عليه مَلَّه، وطلب غيره، أو أكثر منه، وفي ذلك يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: “لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى ثالثًا” (1)، فالنفس الإنسانية دائمة التطلاب لما لم تحصل عليه، ولم تصل إليه، وليس هناك مِن شيء يمكن أن يسدَّ فقرها وحاجتها إلا أن تصل إلى ربها ومعبودها، فتعرفه، وتقصده دون سواه، عند ذلك يجد القلب مطلوبه، وتحصل النفس على مرادها، فيكون الاطمئنان والراحة والهناء، وفي ذلك يقول رب العزة: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}، فليس هناك ما يمكن أن يجلب الطمأنينة إلا الوصول إلى الرب المعبود معرفة وقصدًا وتوجهًا) (2) اهـ. ص52

  • أما المسلم فغايته واحدة، ومنهجه الذي يؤدى إلى هذه الغاية واحد، وهو قادر على أن يرضي الله، ويسير على هداه، وبذلك تتوحد همته، ويتحقق مطلوبه، وفي ذلك يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: “من كانت نيته الآخرة، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلبُ الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، وشتَّت عليه أمره، ولا يأتيه منها إلا ما كُتِب له”) (1) اهـ. ومُشَتَّتُ العزمات ينفق عُمره … حيران لا ظَفَرٌ ولا إخفاق. ص53-54

  • **عُلوِيَّةُ الرَّوحَ وَسُفِليَّةُ البدَنِ **قال الإمام المحقق “ابن القيم " -رحمه الله تعالى-: (خُلق بدن ابن آدم من الأرض، وروحه من ملكوت السماء، وقرن بينهما، فإذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه في الخدمة، وجدت روحه خفة وراحة، فتاقت إلى الموضع الذي خلقت منه، واشتاقت إلى عالمها العلوي، وإذا أشبعه، ونعَّمه، ونوَّمه، واشتغل بخدمته وراحته، أخلد البدن إلى الموضع الذى خُلق منه، فانجذبت الروح معه، فصارت في السجن، فلولا أنها ألفت السجن، لاستغاثت من ألم مفارقتها وانقطاعها عن عالمها الذي خلقت منه، كما يستغيث المعذب. وبالجملة: فكلما خف البدن؛ لطفت الروح، وخفت، وطلبت عالمها العلوي، وكلما ثقل وأخلد إلى الشهوات والراحة؛ ثقلت الروح، وهبطت من عالمها، وصارت أرضية سفلية، فترى الرجل روحه في الرفيق الأعلى، وبدنه عندك، فيكون نائمًا على فراشه، وروحه عند سدرة المنتهى، تجول حول العرش، وآخر واقف في الخدمة ببدنه، وروحه في السفل تجول حول السفليات، فإذا فارقت الروح البدن، التحقت برفيقها الأعلى أو الأدنى، فعند الرفيق الأعلى كل قرة عين، وكل نعيم وسرور وبهجة ولذة وحياة طيبة، وعند الرفيق الأسفل كل هم وغم وضيق وحزن وحياة نكدة، ومعيشة ضنك، قال تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا}، فذِكره: كلامه الذي أنزله على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والِإعراض عنه: ترك تدبره والعمل به، والمعيشة الضنك: فأكثر ما جاء في التفسير أنها عذاب القبر، قاله ابن مسعود، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وابن عباس -رضي الله عنهم-؛ وفيه حديث مرفوع؛ وأصل الضنك في اللغة: الضيق والشدة، وكل ما ضاق فهو ضنك، يقال: منزل ضنك، وعيش ضنك، فهذه المعيشة الضنك في مقابلة التوسيع على النفس والبدن بالشهوات واللذات والراحة، فإن النفس كلما وسَّعْتَ عليها، ضَيَّقْتَ على القلب حتى تصير معيشة ضنكًا، وكلما ضيقت عليها، وسَّعت على القلب حتى ينشرح وينفسخ، فضنك المعيشة في الدنيا بموجب التقوى؛ سَعتها في البرزخ والآخرة، وسعة المعيشة في الدنيا بحكم الهوى ضنكها في البرزخ والآخرة، فآَثِرْ أحسن المعيشتين، وأطيبهما، وأدومهما، وأشْقِ البدن بنعيم الروح، ولا تُشْقِ الروح بنعيم البدن، فإن نعيم الروح وشقاءها أعظم وأدوم، ونعيم البدن وشقاؤه أقصر وأهون، والله المستعان) (1) اهـ. 54-55

  • قال الإمام “ابن الجوزي” -رحمه الله: “واعلم أنك في ميدان سباق، والأوقات تنتهب، ولا تخلد إلى كسل، فما فات من فات إلا بالكسل، ولا نال من نال إلا بالجد والعزم”. ص59

  • لما كان كمالُ الإرادة بكمال المراد، فإن أكمل الناس إرادة هو من أراد الله -عز وجل-، فوحَّده، ولم يشرك به شيئًا، وسعى إِلى مجاورة الرفيق الأعلى في دار كرامته التي رضيها الله لأوليائه، وتجافى عن دار الغرور التي جعلها للمؤمن سجنًا، وللكافر جنة، قيل للعتَّابي: “فلان بعيد الهمة”، قال: “إِذن لا يكونُ له غاية دون الجنة”. قد هيَّأوك لأمر لو فطنت له … فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهَمَلِ وإذا كانت لذة كل أحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه، فأشرف الناس نفسَّا، وأعلاهم همة، وأرفعهم قدرًا مَنْ لذتهم في معرفة الله ومحبته، والشوق إِلى لقائه، والتودد إِلية بما يحبه ويرضاه {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون. ص64

  • إن كبير الهمة لا يعتد بما له فناء، ولا يرضى بحياة مستعارة، ولا بِقُنْيةٍ (1) مستردة، بل همه قنية مؤبدة، وحياة مخلدة، فهو لا يزال يحلِّق في سماء المعالي، ولا ينتهي تحليقه دون عليين، فهي غايته العظمى، وهمه الأسمى، حيث لا نقص ولا كدر، ولا تعب ولا نصب، ولا هم ولا غم ولا حَزَن، إنما هي نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، في مقام أبدي، في حَبرة ونَضرة، في دور عالية بهية، وهناك فقط تقر عينه، وتهدأ نفسه، ويستريح قلبه، قال تعالى في أهل الجنة: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلًا خالدين فيها لا يبغون عنها حِوَلًا}. فالجنة هي الوطن، والأوطار إنما تطلب في الأوطان، أما الدنيا فهي دار غربة منذ أهبط إليها الأبوان. ص66

  • **لِمَاذَا لَا يوصَفُ الكافِرُ بعلو الِهمَةَ؟ **يخطئ بعض الناس حين يصفون بعض شعوب الكفار كالألمان مثلًا أو اليابانيين، أو أفرادهم من المخترعين والباحثين، بالهمة العالية، وهذا خطأ بَيِّن، لأن الهمة العالية حِكر على طلاب الآخرة، وهي -من شرفها وعزتها- تأنف أن تسكن قلبًا قد تنجس بالشرك والكفران، وتلطخ بأقبح معصية في الوجود، قال تعالى: {إنه من يشرك بالله فقد حَرَّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار}، وقال سبحانه: {ومن يشرك بالله فكأنما خرَّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق}، وقال عز وجل: {إن الله لا يغفر أن يُشركَ به ويَغفِرُ ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثمًا عظيمًا}. وقد بينَّا أن كمال “الإرادة” بكمال “المراد”. فمن نظر إلى “الِإرادة”، وقطع النظر عن “المراد” وقع في هذا الخطإ البين. وقد تواترت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية على ذم الدنيا وتحقيرها، ومدح الآخرة وتعظيمها، وهذا الكافر ليس له مراد إلا تعمير الدنيا، فلها يكدح، وعليها يقاتل، مع إعراضه عن الآخرة، وزهده فيها، أو تكذيبه بالبعث والنشور. ص68

  • وكيف يكون عالَي الهمة من فطره الله على التوحيد، فأفسد فطرته، وآتاه نعمة العقل، فعطَّلَها، وبثَّ له آيات توحيده، ودلائلَ صدقِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - في الآفاق وفي نفسه، وأنزل كتابه المعجز، فأعرض عن ذلك كله، ولم يرفع به رأسًا، وجعل الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه! ص72

  • ولما فقه سلفنا الصالحون عن الله أمره، وتدبروا حقيقة الدنيا، ومصيرهم إلى الآخرة، استوحشوا من زخرفها، وتناءت قلوبهم عن زينتها، وارتفعت هممهم فوق سفاسفها، وجعلوا الهموم همُّا واحدًا هو إرضاء الله -عز وجل-، ومجاورته في دار كرامته. ص76

  • قال عبد القادر الجيلاني لغلامه: “يا غلام! لا يكن همك ما تأكل، وما تشرب، وما تلبس، وما تنكح، وما تسكن، وما تجمع، كل هذا: همُّ النفس والطبع، فأين هم القلب؟! هَمُّك ما أهمك، فليكن همك ربك -عز وجل- وما عنده”. ص77

  • وقال الحافظ أبو الحسن على بن أحمد الزيدي: (اجعلوا النوافل كالفرائض، والمعاصي كالكفر، والشهوات كالسم، ومخالطة الناس كالنار، والغذاء كالدواء) ص77

  • وقد دهش المؤرخون للسرعة التي أقام بها المسلمون دولتهم، وللسرعة التي انهارت بها أمامهم الإمبراطوريتان العظيمتان في ذلك الوقت، ولم يدرك الكثير منهم سر عظمة هذه الأمة الناشئة، الذي يكمن في المدد الرباني لهؤلاء المجاهدين، ليس فقط بالإمداد بالملائكة تُثَبِّتُ الذين آمنوا، لكن أيضًا بإمداد الله إياهم بمفاهيمَ وقيمٍ ومقوماتٍ أهَّلتهم لقيادة البشرية، وانتزاع عجلة القيادة من قيم هابطة، ومفاهيم متخلفة، وعقائد فاسدة، ومُثُلٍ مهترئة، فقد كانت المواجهة صراعًا بين حضارتين مختلفتين كل الاختلاف في القيم والمفاهيم والمنطلقات، وكان الطبيعي أن تسري سنة الله في خلقه، ويمضي قانونه المحكم: أن البقاء للأصلح {فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}. ص81

  • وعالي الهمة يعرف قدر نفسه، في غير كبر، ولا عجب، ولا غرور، وإذا عرف المرء قدر نفسه، صانها عن الرذائل، وحفظها من أن تُهان، ونزَّهها عن دنايا الأمور، وسفاسفِها في السر والعلن، وجنَّبها مواطن الذل بأن يحملها ما لا تطيق، أو يضعها فيما لا يليق بقدرها، فتبقى نفسه في حصن حصين، وعز منيع لا تعطى الدنية، ولا ترضى بالنقص، ولا تقنع بالدون. ص103

  • أما خسيِس الهمة فإنه يستحيي من الناس، ولا يستحيي من نفسه إذا انفرد عن الناس، لأن نفسه أخس عنده من غيره، وهو يراها أحقر من أن يستحيي منها، فمن ثَمَّ قال بعض السلف: “من عمل في السر عملًا يستحيي منه في العلانية؛ فليس لنفسه عنده قدر” (1)، وقيل لبعض العُبَّاد: “من شَرُّ الناس؟ “، قال: “من لا يبالي أن يراه الناس مسيئًا”. ص115

  • قال ابن القيم: “شرف النفس هو صيانتها عن الدنايا والرذائل والمطامع التي تقطع أعناق الرجال، فيربأ بنفسه عن أن يُلقيها في ذلك.” ص116

  • قال ابن القيم: “الصائن لنفسه بمنزلة رجل قد لبس ثوبًا جديدًا، نقي البياض، ذا ثمن، فهو يدخل به على الملوك فمَن دونَهم، فهو يصونه عن الوسخ والغبار والطبوع وأنْواع الآثار إبقْاءً على بياضه ونقائه، فتراه صاحب تعزز وهروب من المواضع التي يخشى منها عليه التلوث، فلا يسمح بأثر ولا طبع ولا لوث يعلو ثوبه، وإن أصابه شيء من ذلك على غرَّة، بادر إلى قلعه وإزالته ومحو أثره، وهكذا الصائن لقلبه ودينه، تراه يجتنب طبوع الذنوب وآثارها، فإن لها في القلب طبوعًا وآثارًا أعظم من الطبوع الفاحشة في الثوب النقي البياض، ولكن على العيون غشاوة أن تدرك تلك الطبوع، فتراه يهرب من مظان التلوث، ويحترس من الخلق، ويتباعد من تخالطهم مخافة أن يحصل لقلبه ما يحصل للثوب الذي يخالط الدباغين، والذباحين، والطباخين، ونحوهم.” ص117

  • قال ابن القيم: أما الكِبْر: (فإنه أثر من آثار العجب والبغي مِن قلبٍ قد امتلأ بالجهل والظلم، ترحلت منه العبودية، ونزل عليه المقت، فنظرُهُ إلى الناس شَزَر، ومشيه بينهم تبختر، ومعاملته لهم معاملة الاستئثار، لا الإيثار، ولا الإنصاف، ذاهب بنفسه تيهًا، لا يبدأ مَن لقيه بالسلام، وإِن رد عليه رأى أنه قَد بالغ في الإنعام عليه، لا ينطلق لهم وجهه، ولا يسعهم خُلُقُه، ولا يرى لأحد عليه حقَّا، ويرى حقوقه على الناس، “ولا يرى فضلهم عليه، ويرى فضله عليهم، لا يزداد مِن الله إلا بعدًا، ومن الناس إلا صَغارًا أو بغضًا) (1) اهـ. ص117-118

  • قال ابن القيم: (التواضع يتولد من بين العلم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله، ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها، فيتولد من بين ذلك كله خُلُق هو التواضع، وهو انكسار القلب لله، وخفض جناح الذل والرحمة بعباده، فلا يرى له على أحدٍ فضلاً، ولا يرى له عند أحد حقًّا، بل يرى الفضل للناس عليه، والحقوق لهم قِبَلَه، وهذا خُلُق إنما يعطيه الله -عز وجل- ما يحبه ويكرمه ويقربه). ص118

  • قال ابن القيم: (وأما المهانة: فهي الدناءة والخِسَّة وبذلُ النفس وابتذالُها في نيل حظوظها وشهواتها، كتواضع السُّفَّل في نيل شهواتهم، وتواضع المفعول به للفاعل، وتواضع طالب كل حظ لمن يرجو نيل حظه منه، فهذا كله ضَعَة لا تواضع، والله سبحانه يحب التواضع، ويبغض الضعة والمهانة، وفي “الصحيح” عنه - صلى الله عليه وسلم -: “وأوحى الله إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد”) (2) اهـ. ص118

  • فحدِّث ما شئت عن علو همة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتسابقهم إلى المعالي، كيف لا وقد أوصاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: “احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز” (1)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: “إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها، فليغرسها” (2)، ورُوي عنه أنه كان من دعائه - صلى الله عليه وسلم -: “وأسألك العزيمة على الرشد” (3)، وكان يتعوذ بالله من “العجز والكسل” (4)، وقال لأصحابه - صلى الله عليه وسلم -: “إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره سَفْسافها " (5)، وطمأن أهل الهمة العالية بأن الله -عز وجل- يمدهم بالمعونة على قدر سمو هممهم، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (إن المعونة تأتي من الله للعبد على قدر المؤنة) (6) الحديث، وبين أن أكمل حالات المؤمن ألا يكون له هم إلا الاستعداد للآخرة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: “من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شملَه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شملَه، ولم يأتِهِ من الدنيا إلا ما قُدر له”. ص130-131

  • وعامة نصوص الترغيب والترهيب في الوحيين الشريفين إنما ترمي إلى توليد قوة دافعة تحرك قلب المؤمن، وتوجهه إلى إقامة الطاعات، وتجنب المعاصي والمخالفات، وإلى بعث الهمة وتحريكها واستحثاثها للتنافس في الخيرات. ص131

  • وعلَّمنا - صلى الله عليه وسلم - عُلُوَّ الهمة في الدعاء، فأمرنا أن نسأله تعالى من فضله، ولا نستعظم شيئًا في قدرة الله وجُوده: فعن أم المؤمنين عائشة -رضى الله عنها- قالت: قال - صلى الله عليه وسلم -: “إذا سأل أحدكم فليكثر، فإنما يسألُ ربَّه” (2)، وفي لفظ: “إذا تمنَّى أحدكم فليستكثر، فإنما يسأل ربه -عز وجل-” (3). وعن العرباض -رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: “إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس، فإنه سِرُّ الجنة” (4). أي: أفضل موضع فيها. وعن أبي هريرة - رضى الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: “إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجَّرُ أنهار الجنة”. ص132

  • فإن (من سجايا الِإسلام التحلي بكبر الهمة، فكبر الهمة يجلب لك -بإذن الله- خيرًا غير مجذوذ، ويُجري في عروقك دم الشهامة والركض في ميدان العلم والعمل، فلا تُرى واقفًا إلا على أبواب الفضائل، ولا باسطًا يديك إلا لمهمات الأمور، “إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها”. إن التحلي بكبر الهمة يسلب منك سفاسف الآمال والأعمال، ويجتث منك شجرة الذل، والهوان، والتملق، والمداهنة. فارسم لنفسك كبر الهمة، ولا تنفلت منها) ص138

  • العلم أشرف ما رغب فيه الراغب، وأفضل ما طلب وجَدَّ فيه الطالب، وأنفع ما كسبه واقتناه الكاسب، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه - لكُميل: “احفظ ما أقول لك: الناس ثلاثة، فعالم رباني، وعالم متعلم على سبيل نجاة، وهمج رَعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، العلم خير من المال، يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على العمل، والمال يُنقصه النفقة، ومحبة العالم دين يُدانُ بها باكتساب الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد موته وصنيعه، وصنيعة المال تزول بزوال صاحبه، مات خُزَّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة. ص141

  • قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: (وأما سعادته [العلم] فلا يورثك إياها إلا بذل الوسع وصدق الطلب وصحة النية … ومن طمحت همته إلى الأمور العالية؛ فواجب عليه أن يشد على محبة الطرق الدينية، وهي السعادة، وإن كانت في ابتدائها لا تنفك عن ضرب من المشقة والكره والتأذي، وأنها متى أكرهت النفس عليها، وسيقت طائعة وكارهة إليها، وصبرت على لأوائها وشدتها أفضت منها إلى رياض مونقة، ومقاعد صدق، ومقام كريم، تجد كل لذة دونها لعب الصبي بالعصفور بالنسبة إلى لذات الملوك … فالمكارم منوطة بالمكاره، والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة، فلا نقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد. قال مسلم في “صحيحه”: قال يحيى بن أبي كثير: “لا يُنال العلم براحة الجسم”، وقد قيل: “من طلب الراحة، ترك الراحة”. ولولا جهل الأكثرين بحلاوة هذه اللذة وعظم قدرها لتجالدوا عليها بالسيوف، ولكن حُفَّتْ بحجاب من المكاره، وحُجِبوا عنها بحجاب من الجهل، ليختص الله لها من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم) اهـ. ص142-143

  • قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: (حق على طلبة العلم بلوغُ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله تعالى في إدراك علمه نصًّا واستنباطًا، والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه) ص143

  • فهذا هو علو الهمة في طلب العلم:

  • غيرة على الوقت أن ينفق في غير فائدة،

  • وعزم يبلي الجديدان وهو صارم صقيل،

  • وحرص لا يشفى غليله إلا أن يفترق من موارد العلوم بأكواب طافحة،

  • وغوص في البحث لا تحول بينه وبين نفائس العلوم وعورةُ المسلك، ولا طولُ مسافةِ الطريق،

  • وألسنة مهذبة لا تقع في لغو ومهاترة، كيف لا وقد شغلت بالحق، فأشغلها عن الباطل. ص144

  • العلم صناعة القلب وشغله فما لم تتفرغ لصناعته وشغله لم تنلها، وله وجهة واحدة، فإذا وُجَّهَتْ إلى اللذات والشهوات انصرفت عن العلم، ومن لم يُغَلِّبْ لذةَ إدراكِه العلمَ وشهوته على لذة جسمه وشهوة نفسه؛ لم ينل درجة العلم أبدًا، فإذا صارت شهوته في العلم، ولذته في إدراكه؛ رجي له أن يكون من جملة أهله. ص145

  • قال البخاري -رحمه الله تعالى - في “صحيحه”:“وقد تعلَّم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في كِبَرِ سِنِّهم”. وعن نعيم بن حماد قال: قيل لابن المبارك: “إلى متى تطلب العلم”، قال: “حتى الممات إن شاء الله”. وعن ابن معاذ، قال: سألت أبا عمرو بن العلاء: “حتى متى يحسن بالمرء أن يتعلم” فقال: “ما دام تحسن به الحياة”. ص202

  • لقد فقه سلفنا الصالحون عن الله أمره، وتدبروا في حقيقة الدنيا، ومصيرها إلى الآخرة، فاستوحشوا من فتنتها، وتجافت جنوبهم عن مضاجعها، وتناءت قلوبهم من مطامعها، وارتفعت همتهم على السفاسف، فلا تراهم إلا صوَّامين قوامين، باكين والهين، ولقد حفلت تراجمهم بأخبار زاخرة تشي بعلو همتهم في التوبة، والاستقامة، وقوة عزيمتهم في العبادة والإخبات. ص209

  • وقال تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا * أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا}، وقال عز وجل: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورًا}. إن حبوط أعمال الكافرين، راجع إلى فقدانهم الإيمان، قال تعالى: {أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم}، كما أن حركتهم كانت وبالًا عليهم، لأنها كانت إما في طلب الدنيا: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوَفّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون}، وإما أنها كانت لصد الناس عن دين الله: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم}، وقال تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم}. ص289

  • ورغم الفساد فإن الداعية المسلم لن يتخلى عن محاولة انتشال العباد، وإن كل وساوس اليأس من الإصلاح لن تلبث أن تتبدد أمام لحظة انتباه إيماني تُريه مكانته المتوسطة لموكب الإيمان السائر، أخذَ عن السلف، ولا بد أن يسوق له قدر الله خَلَفًا يستلم الأمانة منه، ذلك وعد الله، وإنه لموكب لن ينقطع أبدًا، مضى به القول على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك (1) “. ص297

  • إن سقوط الهمم وخساستها حليف الهوان، وقرين الذل والصغار، وهو أصل الأمراض التي تفشت في أمتنا، فأورثتها قحطًا في الرجال، وجفافًا في القرائح، وتقليدًا أعمى، وتواكلًا وكسلًا، واستسلامًا لما يُسمى “الأمر الواقع”. ص325

  • “إن الإنسان بفطرته نَفور من الذل، آبٍ على الحيف، ولكن تحيط بالناس أحوال، وتتوالى عليهم حادثات، فيُراضون على الخضوع حينًا بعد حين، ويسكنون إلى الخنوع حالًا بعد حال، حتى يدربوا عليه، كما يُستأنس السبعُ، ويؤلف الوحش، ولكن يبقى في الناس ذرات من الكرامة، وفي الدماء شذرات من الجمر، فإذا دعا الداعي إلى العزة، وأذن بالحرية، وأيقظ الوجدان النائم، وحرَّك الشعور الهاجد: نبضت الكرامة في النفس، وبَصَّت (1) الجمرة في الرماد، وأفاقت في الإنسان إنسانيته، فأبى وجاهد، ورأى كل ما يلقى أهون من العبودية، وأحسن من هذه البهيمية. ص330-331

  • كل ذل يصيب الإنسان من غيره، ويناله من ظاهره: قريب شفاؤه، ويسير إزالته، فإذا نبع الذل من النفس، وانبثق من القلب، فهو الداء الدوي، والموت الخفي. ص330

  • أما حب الدنيا: فرأس كل خطيئة كما في الحكمة المشهورة، وهو أصل التثاقل إلى الأرض، وسبب الاستئسار للشهوات، والانغماس في الترف، والتنافس على دار الغرور التي: تفانى الرجال على حبها … وما يحصلون على طائل قال ابن الجوزي رحمه الله: (واعلم أن زمان الابتلاء ضيف قِراهُ الصبر، كما قال أحمد بن حنبل: “إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل، فلا تنظر إلى لذة المترفين، وتلمحْ عواقبهم، ولا تضق صدرًا بضيق المعاش، وعلل الناقة بالحدْو تسِرْ”) ص332

  • وأما كراهية الموت: فثمرة حب الدنيا والحرص على متاعها، مع تخريب الآخرة، فيكره أن ينتقل من العمران إلى الخراب. ص333

  • المؤمن في هذا الزمان أشد حاجة للانتباه ومعالجة قلبه، وتفتيشه، مما كان عليه المسلمون في العصور الماضية، ذلك أنهم كانوا يعيشون في محيط إسلامي تسوده الفضائل، ويسوده التواصي بالحق، والرذائل تجهد نفسها في التستر والتواري عن أعين العلماء وسيوف الأمراء، أما الآن فإن المدنية الحديثة جعلت كفر جميع مذاهب الكفار مسموعًا مبصَرًا بواسطة الإذاعات والتلفزة والصحف. وجعلت إلقاءات جميع أجناس الشياطين قريبة من القلوب، وبذلك زاد احتمال تأثر المؤمن من حيث لا يريد ولا يشعر بهذا المسموع والمنظور. ص337

  • وعن الحسن قال: (المؤمن من يعلم أن ما قال الله عز وجل كما قال، والمؤمن أحسن الناس عملًا، وأشد الناس خوفًا، لو أنفق جبلًا من مال ما أمن دون أن يُعاين، لا يزداد صلاحًا وبرًّا وعبادة إلا ازداد فَرَقًا، يقول: “لا أنجو، لا أنجو”، والمنافق يقول: “سواد الناس كثير، وسيُغفر لي، ولا بأس عليَّ”، يسيء العمل، ويتمنى على الله تعالى). ص339

  • والعلم يورث صاحبه الفقه بمراتب الأعمال، فيتقي فضول المباحات التي تشغله عن التعبد، كفضول الأكل والنوم والكلام، ويراعي التوازن والوسطية بين الحقوق والواجبات امتثالًا لقوله - صلى الله عليه وسلم-: “أعط كل ذي حق حقه”، ويبصره بحيل إبليس - وتلبيسه عليه كي يحول بينه وبين ما هو أعظم ثوابًا، قال أبو سليمان: “يجيئك -أي إبليس- وأنت في شيء من الخير، فيشير لك إلى شيء من الخير دونه ليربح عليك شَعيرة”. ص344

  • وأشد الناس حاجة إلى تجديد البيئة المحيطة، وتنشيط الهمة، الحديث العهد بالتوبة، فإن من شأن التحول من بيئة المعصية إلى بيئة الطاعة أن ينسيه ما يجذبه إلى صحبة السوء وأماكن السوء، فيجتمع قلبه، ويلتئم شمله، وتتوحد همته وتتوجه بصدق وعزم إلى أسلوب من الحياة جديد، وهذا عين ما أشار به “العالم” الواعي على قاتل المائة (1)، حين شفَّع قوله: “نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة” بقوله: “انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء”، ولما جاءه الموت، واختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، كان قربه إلى القرية الصالحة بالنسبة إلى بلد السوء سببًا في قبض ملائكة الرحمة إياه، ففي بعض الروايات: “فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجُعل من أهلها”، وفي رواية: “فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقرَّبي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر، فغفر له” وفي رواية: “فنأى بصدره نحوها”. ص351

  • ومن أهم أسباب الارتقاء بالهمة: صحبة أولي الهمم العالية، ومطالعة أخبارهم. فالطيور على أشكالها تقع، وكل قرين بالمقارن يقتدي، وإن العبد ليستمد من لحظ الصالحين قبل لفظهم، لأن رؤيتهم تذكره بالله عز وجل، وعن أنس رضي الله عنه قال - صلى الله عليه وسلم-: “إن من الناس ناسًا مفاتيح للخير مغاليق للشر” (2). وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قال: “هم الذين يُذكَرُ الله لرؤيتهم” (3). ص352

  • يقول الأستاذ الدكتور “خلدون الأحدب” حفظه الله: (وإذا نظرنا إلى أولئك الذين استفادوا من لحظات أعمارهم، وكان من نتاجهم وأثرهم ما يعجب أو يدهش، نجدهم لا يصاحبون إلا المجدِّين العاملين، والنابهين الأذكياء، الذين يحرصون على أوقاتهم حرصهم على حياتهم، لأن الزمن هو الحياة. وصحبة هؤلاء الأمجاد المجدِّين المتيقظين للدقائق والثواني، كان له عظيم الأثر في همَّة مثل الإمام ابن جرير الطبري وابن عقيل الحنبلي وابن عساكر الدمشقي وابن تيمية وابن القيم وابن النفيس والِمزِّيُّ والذهبي وابن حجر وأضرابهم في غزارة إنتاجهم وجدِّته. يقول الإمام ابن عقيل الحنبلي صاحب كتاب “الفنون” -الذي مَرَّ خيره من قبل (1) -: “وعصمني الله من عنفوان الشبيبة بأنواع من العصمة، وقصر محبتي على العلم وأهله، فما خالطتُ لعَّابًا قط، ولا عاشرت إلَّا أمثالي من طلبة العلم”. فالحريص الموفق الذي يروم المعالي، لا تراه إلا مع أهل العلم العاملين، وأولي الفضل والمجاهدة والحِكْمة والبصيرة، ليرشح عليه ما هم فيه أو بعضه، فيكون مثلهم أو قريبًا منهم. ص355

  • إن من أقوى البواعث على ارتفاع الهمة أن تطلب صحبة عبد من عباد الله مجتهد في العبادة والعلم، فتلاحظ أقواله وتقتدي به، وكان بعضهم يقول: “كنت إذا اعترتني فترة في العبادة نظرت إلى أحوال محمد بن واسع وإلى اجتهاده، فعملت على ذلك أسبوعًا”. إلا أن هذا العلاج قد تعذر، إذ قد فُقِد في هذا الزمان من يجتهد في العبادة اجتهاد الأولين فينبغي أن يعدل من المشاهدة إلى السماع فلا شيء أنفع من سماع أحوالهم ومطالعة أخبارهم (3) وما كانوا فيه من الجهد الجهيد، وقد انقضى تعبهم، وبقى ثوابهم ونعيمهم أبد الآباد لا ينقطع. ص356

  • قال عمرو بن العاص لحلقة قد جلسوا إلى جانب الكعبة، فلما قضى طوافه جلس إليهم وقد نحوا الفتيان عن مجلسهم، فقال: “لا تفعلوا! أوسعوا لهم، وأدنوهم، وألهموهم، فإنهم اليوم صغار قوم يوشك أن يكونوا كبار قوم آخرين، قد كنا صغار قومٍ أصبحنا كبار آخرين”. وقد علق الإمام ابن مُفلح رحمه الله على هذه العبارة قائلًا: “وهذا صحيح لا شك فيه، والعلم في الصغر أثبت، فينبغي الاعتناء بصغار الطلبة لا سيما الأذكياء المتيقظين الحريصين على أخذ العلم، فلا ينبغي أن يجعل على ذلك صغرهم أو فقرهم وضعفهم مانعًا من مراعاتهم والاعتناء بهم”. ص367

  • والأمة التي تهتم بالنابغين، تصنع بهم مستقبلها المشرق، لأنهم يصلحون أمرها، ويسهمون في ازدهارها، والأمة التي تهمل رعاية نابغيها سوف تشقى حين يتولى أمورها جهلة قاصرون يوردونها المهالك، أو مرضى نفسيون معقدون يسومونها سوء العذاب، أو سفلة أصحاب نفوس دنيئة وهمم خسيسة يبيعونها لأعدائها بثمن بخس. ص382

  • الشَّباب هو زمن العمل، لأنه فترة قوة بين ضعفين، ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة، فمن ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: “اغتنم خمسًا قيل خمس: شبابك قبل هَرَمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك” (1)، قال الإمام أحمد: “ما شبهتُ الشباب إلا بشيء كان في كُمِّي فسقط”. إن الشباب هو وقت القدرة على الطاعة، وهو ضيف سريع الرحيل فإن لم يغتنمه العاقل تقطعت نفسه بعدُ حسرات. ص406

  • إن أصحاب الهمة العالية فحسب هم الذين يقوون على البذل في سبيل المقصد الأعلى، وهم الذين يبدلون أفكار العالم، ويغيرون مجرى الحياة بجهادهم وتضحياتهم (1)، ومن ثم فهم القلة التي تنقذ الموقف، وهم الصفوة التي تباشر مهمة “الانتشال السريع” من وحل الوهن، ووهدة الإحباط. ص411

  • قال الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله تعالى مبينًا أثر “علو الهمة”: (يسمو هذا الخُلُقُ بصاحبه، فيتوجه به إلى النهايات من معالي الأمور؛ فهو الذي ينهض بالضعيف يُضطهد، أو يُزدرى، فإذا هو عزيز كريم، وهو الذي يرفع القوم من سقوط، ويُبْدِلُهم بالخمول نباهة، وبالاضطهاد حرية، وبالطاعة العمياء شجاعة أدبية. هذا الخلق هو الذي يحمي الجماعة من أن تتملق خصمها، … أما صغير الهمة فإنه يبصر بخصومه في قوة وسطوة، فيذوب أمامهم رهبة، ويطرق إليهم رأسه حِطَّة، ثم لا يلبث أن يسير في ريحهم، ويسابق إلى حيث تنحط أهواؤهم .. ) اهـ. ص412