معلومات الكتاب:

عنوان الكتابسلطة الثقافة الغالبة
المؤلفإبراهيم عمر السكران
الناشردار الحضارة
سنة النشر2014
عدد الصفحات248
تاريخ القراءة2022-01-13
  • وفي القرن الثامن / التاسع صعد ابن خلدون بمثل هذه الملاحظات حول تغالب الثقافات، من مستوى التصرفات والمواقف الفردية، إلى مستوى الروح المجتمعية العامة، فوصل بهذا التنظير مستواه الأبعد، وعقد لذلك فصلا خاصا كرسه لتحليل هذه الظاهرة التركيبي قال فيه: (الفصل الثالث والعشرون: في أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب؛ في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. والسبب في ذلك: أن النفس أبدا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك، واتصل لها اعتقادًا، فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به..، حتى أنه إذا كانت أمة تجاور أخرى، ولها الغلب عليها، فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير) ص9-10

  • (وكل الأقطار العربية قد شغل بالبحث والمناقشة حول أمثل الطرق والأساليب للنهوض واستعادة القوة والتخلص من أسباب الضعف وآثاره، ولم يكد الخلاف فيها جميعا يخرج عن اتجاهات ثلاثة: اتجاه يدعو إلى العودة لينابيع الإسلام الأولى، واتجاه آخر يدعو لاحتذاء الغرب وتتبع خطاه، واتجاه ثالث يدعو إلى إسلامية متطورة يفسّر فيها الإسلام تفسيرًا يطابق الحضارة الغربية، ويبرر أنماطها وتقاليدها) ص12-13

  • لماذا لم تنجح ظاهرة تطويع الشريعة للثقافة الغربية الغالبة في تحقيق النهضة وحماية الشباب المسلم من الإلحاد؟ ثمة إجابات بديعة على هذا السؤال قدمها المفكرون الإسلاميون في هذا العصر، فمن ذلك ما كان يكرره مالك بن نبي (ت 1973م) عن أن الشعور بمركب النقص لا يبعث نهضة، كما يقول في كتابه «دور المسلم»: (لماذا استطاع ذلك أولئك الأعراب الفقراء في عهد محمد ﷺ؟ لماذا قام أولئك الأعراب الفقراء الأميون بإنقاذ الإنسانية وشعروا أنهم جاؤوا من أجل إنقاذها؛ فقد كانوا يعلنون هذا في أقوالهم ومخاطباتهم للآخرين، سواء من أهل الفرس أو من أهل روما، كانوا يقولون لهم: لقد أتينا لننقذكم، إنهم لم يشعروا بمركب النقص»، لماذا لم يشعروا بـ «مركب النقص»؟! لأن الإمكانيات الحضارية المتكدسة أمامهم في فارس أو في بيزنطة أو في روما لم تفرض عليهم النقص، وبعبارة أخرى لم تبهرهم». ص14

  • اللاعبون الكبار على رقعة السياسة اليوم يدركون أنه لا يمكن ضمان مصالحهم الاستراتيجية ونفوذهم الدُّوَليّ إلا بتدجين كل الخطابات الدينية الحيوية الكبرى، وحقنها بفيروس الخنوع للغالب، وإماتة لباقة الممانعة فيها، لتنسجم في النهاية مع متطلبات الهيمنة الغربية، ولذلك تنفق الإمبرياليات الغربية المعاصرة بسخاء لا محدود على مراكز البحوث والدراسات وتقارير الرصد الدقيق والمستمر لكل بؤر التوتر بشكل عام، والحراك الديني الإسلامي بشكل خاص. ص17

  • وهؤلاء الرموز الذين انخرطوا في سلسلة تدجين الخطاب الدعوي ليتكيف مع الثقافة الغربية الغالبة، مدعومين بالأذرعة الإعلامية الليبرالية، صاروا يضخون تأويلات للأحكام الشرعية المتعارضة مع المصالح الغربية والنظرة والغربية والقيم الغربية، وبعضهم فيه سذاجة فيبالغ في طرح تأويلات فجة، فينبذ اجتماعيا! وبعضهم فيه دهاء فطري بحيث يطرح سلسلة التدجين تدريجيا وبلغة هادئة لتتشربها الشريحة المستهدفة بشكل بطيء لكنه أكيد المفعول، وقد وصف الإمام ابن تيمية هذا الأسلوب لأهل الأهواء بقوله: (وهذا شأن كل من أراد أن يظهر خلاف ما عليه أمة من الأمم من الحق إنما يأتيهم بالأسهل الأقرب إلى موافقتهم، فان شياطين الإنس والجن لا يأتون ابتداء ينقضون الأصول العظيمة الظاهرة، فإنهم لا يتمكنون…، والغرض هاهنا التنبيه على أن دعاة الباطل المخالفين لما جاءت به الرسل يتدرجون من الأسهل الأقرب إلى موافقة الناس، إلى أن ينتهوا إلى هدم الدين) ص19

  • كان أحد الأصدقاء يقول لي: أليس من السذاجة أن تفكروا أن ثمة مؤامرة؟! قلت له: إذا كنت تتصور إمبراطورية عسكرية بحجم الولايات المتحدة ولا تفكر بإدارة مصالحها، وتكييف الخطابات الثقافية الممانعة مع هيمنتها، وأنها تتفرج فقط على الثقافات المناوئة؛ فهذه هي السذاجة بعينها، وترى القرآن نفسه يتحدث ويصف ويصور المؤامرات كما يقول تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا] (الأنعام:123). ص20

  • والمراد أن «التفسير التآمري» حقيقة قرآنية وواقع مشهود لا ينكره إلا مستغفل أو مستفيد، وليس الخطأ في الوعي بهذه المؤامرات التي تحاك الليل والنهار حتى تكاد تزول منها الجبال؛ وإنما الخطأ هو التهور في المغالاة في هذا الأمر حتى يجعل ما ليس فيه قرائن مؤامراتية مؤامرة، فهذا هو الخطأ، ولكن هذا الخطأ لا يعالج بإلغاء أصل مفهوم المؤامرة الذي أشار له القرآن وهمس به الواقع. ص20

  • وتجد بعض الناس يقول لك: (انتقد الأفكار لا الأشخاص)! حسنة، ألم يكن السلف ينتقدون الأشخاص والأفكار كليهما، فلم يكن لدى السلف أصلا هذا التمييز (انقد الفكرة لا الشخص)، ألا ترى أننا صرنا خاضعين لسحر النموذج الليبرالي الذي يغلو في حرية الأشخاص ويرفع حساسية الموضوع؟ وبعض الناس صار لديه مشكلة مع «شريعة إنكار المنكر»؛ لأنها تخالف الحرية التي تشربها من النموذج الليبرالي المهيمن، فتراه إذا شاهد أحدأ ينكر منكر، قال: هذا إقصاء، أو هذه وصاية، إلخ. وعبارة (إقصاء، وصاية) ليست مجرد تعبير أدبي، بقدر ما هي تحمل «ثقافة» تنبض بالليبرالية في شرايينها. ص28

  • مثل هذه المقولات ليست مجرد آراء، بل هي «معايير» تجري في عروقها دماء الليبرالية الغربية الغالبة، حيث تفرق بين الرأي والفعل، وتميل إلى فتح المجال للرأي إلى نهاية الطريق، بينما تميل إلى ضبط الفعل بالقوانين، وهذا طبعًا نسبي عندهم. ص29

  • فالرأي المنحرف في ميزان الشريعة قد يكون أخطر من الفعل المنحرف، والعدوان بالرأي على الشريعة، قد يكون أعظم من العدوان بالفعل على المسلمين، وقد وضح هذا أبو العباس ابن تيمية حيث يقول: (والمحاربة باللسان في باب الدين قد تكون أنكى من المحاربة باليد..، ولذلك كان النبي يقتل من كان يحاربه باللسان، مع استبقائه بعض من حاربه باليد..، وكذلك الإفساد قد يكون باليد، وقد يكون باللسان، وما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده اليد) فتأمل كيف جعل ابن تيمية عدوان الكلمة أضر على الشريعة من عدوان اليد في كثير من الأحيان، ثم قارن ذلك بالعبارة الليبرالية (تكلم لكن لا تمد يدك) ص30

  • ما يكشف التوجه الحقيقي للخطاب ليس (القاعدة المعلنة نظريًا) ولا (المسألة والمسألتين)، وإنما تواطؤ المسائل الكثيرة المنبعثة عن مؤثر واحد، أو المتواردة على غرض نهائي واحد، فهذه هي التي تكشف القواعد الفعلية المضمرة، فالقواعد المتبناة فعلية تسري في التفاصيل ويستخلصها المتلقون منها فيعرفون أصول الشخص من خلال انبثاثها في تطبيقاته ومواقفه، والقواعد منبثة في الفروع كانبثاث الأعصاب في جسم الإنسان. ص33

  • الجميع يدرك وبأبسط ملاحظة أنه لا جديد أصلا في المعطيات الشرعية، وإنما الجديد هو أن تلك العقول تشبعت بثقافة الإنسان الغربي الغالب وصارت تميل إلى موافقته، وتريد أن تقنع نفسها، وتقنعنا معها، أنها في كل هذه الانحيازات لثقافة الغربي الغالب أنها قراءة تجديدية مستقلة، موضوعية، محايدة، تفتح باب الاجتهاد وبعيدة عن أي مؤثرات غربية كل هذه التفاصيل والمسائل التي وليتم وجوهها شطر الذوق الغربي وقعت هكذا اتفاقا ومصادفة! أمن المعقول هذا؟ ص38

  • وقد نبه القرآن إلى سر هذه المسألة وهي أن الاحتكام للنص ليس مجرد قاعدة معلنة، بل يجب أن يظهر في التطبيقات والفروع، كما يشير القرآن لذلك في قوله تعالى: [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ] (النساء :60). فهم نظرية أعلنوا الالتزام بالنصوص، وعمليًا تولوا عنها. ص39

  • ذكر الله تعالى في كتابه ظاهرة «الكذب على الله»، في مواضع كثيرة جدا، ولا يكثر القرآن من ذكر أمر من الأمور إلا انعكاسًا لأهميته القصوى، وكثرة وقوعه وابتلاء الناس به؛ فتثنية الآيات في موضوع معين؛ إشارة إلهية لنا لنحتفي بالأمر؛ إذ القرآن كلام الخالق الخبير سبحانه، فسائر ما فيه من تصريح، أو تلميح، أو كناية، أو إشارة، أو مفهوم، أو نظير، أو دلالة أولى، أو ترتيب مأمورات، أو ترتيب منهيات، أو غيرها من أنماط استفادة المعنى وإنتاج الدلالة، فإنها تؤخذ بعين الاعتبار، وهذا هو مقتضى التدبر والإدكار. ص41

  • كثير من الناس يقصر فهمه عن معنى «الكذب على الله، والواقع أن الكذب على الله له مرتبتان: الكذب على الله في «الألفاظ، والكذب على الله في المعاني». وهذان النوعان أشار لهما الإمام ابن تيمية بتقسيم بديع حيث سماهما: «تحريف التنزيل»، و«تحريف التأويل»(1)، فتحريف التنزيل يكون في الألفاظ، وتحريف التأويل يكون في المعاني. فالكذب على الله في الألفاظ، كما في الوضع في الحديث، قد أقام علماء الإسلام لمقاومته «علوم السنة النبوية»، وأما الكذب على الله في المعاني، كما في تأويل الكلم عن مواضعه، فقد أقام علماء الإسلام لمقاومته علمي «العقيدة» و«الفقه». ص42

  • وأما الكذب على الله في «المعاني» فينتشر كثيرًا بين النخب المثقفة ومتفقهة التغريب الواقعين تحت سلطة الثقافة الغالبة، حيث يسطون على نصوص الوحي فيفسرونها دون استيعاب لبقية النصوص الشرعية الأخرى، ودون استيعاب لتفسير الصحابة وأئمة التابعين، ودون تفطن لمواضع الإجماع، بل بعضهم يفسر الآيات القرآنية بما يعارض تفسير رسول الله ﷺ لها!۔ ص42

  • ومن تأمل تاريخ النبوات، علم أن أكثر ضلال المليين ليس من جهة جحد ألفاظ الوحي، وإنما من جهة تأويل معانيه وإخراج ألفاظ الشارع عن معانيها التي أرادها. ص43

  • ومن تأمل حمية السلف وغيرتهم في عصرهم في مقاومة المحدثات والمعاني المخترعة من أن تنسب لدين الله، ورأى تخاذلنا إزاء المحدثات والبدع والمعاني المخترعة التي صارت تنسب للشريعة؛ علم لماذا فضل الله هاتيك القرون، وعلم منزلة الوحي في تلك النفوس. ص45

  • ويقول تعالى أيضا: [وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ] (النساء:110). ولو لم يكن لاتباع سبيل المؤمنين معنى إضافي في مزيد توضيح الهدى لما ذكره، وسبيل المؤمنين يعرف من خلال تجربتهم البشرية، فانظر كيف ذمهم على عدم اتباعهم تجربة بشرية سابقة. ص50

  • وبالله عليك؛ امنح شيئا من التركيز في مثل هذا التوصيف: فإنه لما قال سبحانه: [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] (الفاتحة:1)، زاد على ذلك بوصفي كاشف فقال: [صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ] (الفاتحة:7). فلم يقتصر تعالى على الوصف المجرد لـ «الصراط المستقيم» بل زاد على ذلك بأن ربطه بتجربة بشرية وهي تجربة «الذين أنعم الله عليهم». وتدبر ما هو أعجب من ذلك كله، وهو أن الله اختار أن يودع هذا المعنى أعظم سور القرآن على الإطلاق وهي سورة الفاتحة، وجعلنا نردد هذا المعنى مرات عديدة يوميا خلال الصلوات. ومن البدهي أن تعيين فضل خاص في السورة القرآنية، وتشريع ترديدها يوميا؛ أن هذا ليس قرارًا اعتباطيًا معزولا عن حيثيات ضمنية، تعالى الله عن ذلك، بل هذا مبني على معطيات معينة تتضمنها السورة ذاتها، وهذا متفرع عن الأصل الكبير الغزير الفروع والتطبيقات وهو التعليل في الأفعال الإلهية» وأن مشيئة الله مرتبطة بعدله وحكمته، والمراد أن الفضائل الصحيحة الثابتة للسور من أهم مصادر استكشاف الأولويات المفاهيمية القرآنية. ص51

  • وينبوع الأحداث في دين الله كله ناشئ بسبب ضعف تعظيم السلف» في عمق علمهم وكمال ديانتهم، كما أن صحة تدين المرء واهتدائه في دين الله فرع عن تعظيم السلف واعتقاد كونهم أكمل منا دينا وعلما. تأمل في جمهور الطوائف الكلامية التراثية الضالة اليوم، تجدهم يرددون أن (كلام السلف أسلم وكلام الخلف أعلم وأحكم). وتأمل في كلام الطوائف الفكرية المعاصرة المسترقّة لسلطة الثقافة الغالبة تجد أحسنهم قولا يقول (تجربة السلف غنية وناجحة، لكن لا تلزمنا!) أما فجار هذه الطوائف فيعتقدون أن السلف (دراويش) ص53-54

  • لنتأمل ملاحظة ابن تيمية هذه: (وإنما يوجد تعظيم السلف عند كل طائفة بقدر استنانها وقلة ابتداعها)(1)، فهذه ملاحظة صحيحة بلا ريب من رجل خبر الطوائف بدقة، فكل طائفة تقترب من الاهتداء في دين الله بقدر قربها من السلف، وتبتعد بقدر بعدها عنهم. ص54

  • الوسطية في القرآن ليست وسطية واحدة، بل هي وسطيتان: وسطية مطلوبة، ووسطية مرفوضة. فمن «الوسطية» المطلوبة في القرآن ذلك الدعاء القرآني المبهر الذي ندعو به يوميا عشرات المرات: [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ] (الفاتحة:6 – 7). فانظر بالله عليك، كيف ترسم هذه الآية خط [الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] وسط بين مسار [الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ] ومسار [الضَّالِّينَ]. ص58

  • وهناك الكثير من شواهد الوسطية المطلوبة في القرآن، لكن هل هذا كل شيء؟ هل هذه هي الوسطية في القرآن؟ لا، ثمة لون آخر من الوسطية شرحه القرآن أيضا، يجهله، أو يتغافل عنه، كثير من المأسورين لسلطة الثقافة الغالبة. فإن الله تعالى لما ذكر أصحاب محمد ﷺ وخصومهم، ذكر طائفة أخرى من الناس أرادت أن تنتهج منهج «الوسطية» بين الفريقين، فقال تعالى عن هذه الوسطية المرفوضة [مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَىٰ هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَؤُلَاءِ] (النساء:163)۔ وهؤلاء أصحاب «الوسطية المرفوضة» تجدهم دوما يحاولون أن يحسنوا العلاقات مع أهل الحق وخصومهم، أو كما يقولون بلغتهم المفضلة (نبني جسور العلاقات مع جميع الأطراف)، كما قال تعالى عن هذا المظهر من مظاهر وسطيتهم: [سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا] (النساء:91). ص59-60

  • ربما كان اللافت فعلا أن القرآن استعمل هذه الصيغة [بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا] في كلا نوعي الوسطية، فجعل مرة ابتغاء السبيل بين الأمرين وسطية مطلوبة»، وجعل مرة أخرى ابتغاء السبيل بين الأمرين «وسطية مرفوضة». ففي المرة التي استخدم فيها (ابتغاء السبيل بين الأمرين) في الوسطية المطلوبة يقول تعالى: [وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا] (الإسراء:110). وفي المرة التي استخدم فيها (ابتغاء السبيل بين الأمرين) في الوسطية المرفوضة يقول تعالى: [وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا] (النساء:150). حسنا.. ما هو الفرق إذن بين هاتين الوسطيتين في القرآن؟ الحقيقة: أن الوسطية المطلوبة في القرآن تجدها دوما «حق بين باطلين»، أما الوسطية المرفوضة في القرآن فتجدها دوما «وسط بين الحق والباطل». فهؤلاء الذين ينادون دوما بالوسطية الدينية، والوسطية في فهم الإسلام، إن كانوا يعنون بالوسطية وسطية «أصحاب محمد» في تفسير النص، والموقف من العلوم المدنية، والموقف من الكافر، ودور المرأة، وضوابط الحريات الشخصية، إلخ، فهذه وسطية مشكورة محمودة. أما إن كان المراد التوسط بين منهج أصحاب محمد، والفكر الغربي الغالب، فهذه وسطية مردودة مذمومة. ص60-61

  • وأما أهل السنة والجماعة فلهم منهج مغاير، فلا يتأثر أخذهم وردهم من النصوص بنمط تأثرهم بالثقافة الغالبة كما تفعله الطوائف الفكرية المعاصرة، بل منهج أهل السنة هو «استيعاب الوحي»، أي استيعاب خلاصة توازنات النصوص، فتجدهم أخذوا بقاعدة ابتناء العلوم المدنية على الاجتهاد البشري، لكن وازنوها بقاعدة تحكيم الشريعة في المنصوص. وأخذوا بقاعدة الحريات العامة، لكنهم وازنوها بقاعدة الإنكار والاحتساب. وأخذوا بقاعدة دور المرأة في الحياة العامة، لكنهم وازنوها بقاعدة التحفظ والاحتياط في العلاقة بين الجنسين. وأخذوا بقاعدة وجوب السعي لامتلاك الحضارة والمدنية، لكنهم وازنوها بقاعدة أولوية التوحيد والفرائض، وقاعدة التزهيد في الدنيا مقابل الآخرة. وأخذوا بقاعدة الإنكار السياسي العلني، لكنهم وازنوها بقاعدة تحريم الخروج المسلح، ووجوب بـ الطاعة «بالمعروف». ص65-66

  • يقول أبو العباس ابن تيمية في الموضع المشار إليه: (بل أهل السنة هم الوَسَط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوَسَط في الأمم، فهم وَسَط في «باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة، وهم وَسَط في «باب أفعال الله» بين الجبرية والقدرية وغيرهم، وفي «باب وعيد الله بين المرجئة، والوعيدية من القدرية وغيرهم، وفي «باب أسماء الإيمان والدين، بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وفي «أصحاب رسول الله» بين الرافضة والخوارج). ص67

  • تجزئة الوحي أو تقنية التبعيض ليست ظاهرة جديدة بتاتا؛ وإنما هي ظاهرة كشف الوحي لنا عنها مبكرة، حين قال تعالى: [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ] (البقرة:85)، وقال: [إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا] (النساء: 150). وقد رصد الإمام ابن تيمية ظاهرة الإيمان المشروط وبين مخالفتها الأصل الإسلام، حيث يقول: (ففي الجملة: لا يكون الرجل مؤمنا حتى يؤمن بالرسول إيمانا جازمًا ليس مشروطًا بعدم معارض، فمتى قال «أؤمن بخبره إلا أن يظهر له معارض يدفع خبره»، لم يكن مؤمنا به، فهذا أصل عظيم تجب معرفته، فإن هذا الكلام هو ذريعة الإلحاد والنفاق). ص69

  • بل أوضح الإمام ابن تيمية أن صاحب هذه الحالة يتدهور إيمانه تدريجيًا ولا يمكن أن يبقى متدينًا، كما يقول الإمام ابن تيمية: (ولهذا تجد من تعود معارضة الشرع بالرأي لا يستقر في قلبه الإيمان) ص70

  • والله تعالى أمر العدد اليسير من الناس أن يبلغ دين الله كما قال تعالى في سورة التوبة: [فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ] (التوبة:122) ولو كان الدين الذي تقوم به الحجة هو القطعي كما يعرفونه فقط لكان هذا التوجيه عبثا، تعالى الله عن ذلك، إذ النقل الذي يأتي به نفر يسير لا يحصل به القطعي طبقًا لتعريفهم. وقال النبي ﷺ في أحاديث يبلغ المعنى المشترك فيها درجة التواتر القطعي (بلغوا عني ولو آية)(1)، وقال: (نضر الله امرأً سمع منا حديثا فبلغه)(2)، ولو كان الدين لا يثبت ولا يحتج فيه إلا بالقطعي الثبوت والدلالة طبقًا لتعريفهم للقطعي لكان توجيه النبي هذا لغو لا ثمرة له، حاشاه، إذ ما فائدة أن يبلغ رجل واحد خبرا سيكون غير قطعي الثبوت، وربما دخل تفسيره ظنية المعني. وقد تواتر عند أهل التاريخ والسير والحديث، بل كل علوم أهل الإسلام نقلت ذلك، حتى كتب الأدب، أن النبي كان يرسل إلى الأمم رسولا واحدًا يخبرهم بالإسلام كله وليس حديثًا واحدًا، ومع ذلك يرتب النبي آثار هذا التبليغ عليهم، ولو كانت الحجة لا تثبت إلا بالقطعي لما أخذ النبي هؤلاء الأمم بخبر واحد في أصول الدين وفروعه. ص73-74

  • فالعمل العلمي في «رخص الله» تعني أن نجتهد في تحقيق دلالات نصوص الوحي، وتحليل مضامينها بشكل منهجي منظم، لنصل إلى ما يغلب على الظن أنه رخصة من الله؛ فنعمل به. أما العمل التلفيقي في «رخص المجتهدين» فيعني القيام بعملية انتقائية غير منهجية يتم فيها تتبع فقه كل إمام من أئمة المسلمين والأخذ بما رأى أنه رخصة، ليكون لدينا المجموع الإجمالي لما رأي البعض أنه رخصة، فأصبح معيار الرخصة «وجود فتوى»، وليس وجود دليل»، حتى لو كنا نري دلالة النص الصريحة تصادم الرخصة التي أفتى بها المجتهد فالأساس العلمي للرخص بهذا الشكل متناقض من الداخل أصلا؛ فالرخصة المبنية على «القياس» في هذه المسألة، تصادم الرخصة المبنية على منع القياس في المسألة الأخرى. والرخصة المبنية على قول الصحابي، هاهنا تعارض الرخصة المبنية على «منع قول الصحابي» هناك. ص76

  • الواقع أن مضمون «تتبع الرخص» بكل وضوح وإيجاز هو أنه: (إذا اختلف العلماء في مسألة: فيجوز الأخذ «بالأهون» على النفس، ولا يجب الأخذ بـ«الأرجح»، دليلا. فصار «المرجح» في المسائل الخلافية: ليس الدليل؛ وإنما الأهون والأشهى والأخف على الذات، وما تهواه النفس، بمعنى أن المكلف صار«مخيرًا» في المسائل الخلافية بأخذ ما تهواه نفسه، ولم يعد «مكلفًا» بالبحث عن الأرجح. ص80

  • حيث يقول الشاطبي في الاحتجاج لهذه المسألة: (فإن في مسائل الخلاف ضابطًا قرآنيا بنفي اتباع الهوى جملة، وهو قوله تعالى: [فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ] (النساء:59). وهذا المقلد قد تنازع في مسألته مجتهدان، فوجب ردها إلى الله والرسول، وهو الرجوع إلى الأدلة الشرعية، وهو أبعد من متابعة الهوى والشهوة، فاختياره أحد المذهبين بالهوى والشهوة مضاد للرجوع إلى الله والرسول..، وأيضا: فإن ذلك يفضي إلى تتبع رخص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي، وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن ذلك فسق لا بحل. وأيضا: فإنه مؤد إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها؛ لأن حاصل الأمر مع القول بالتخيير أن للمكلف أن يفعل إن شاء ويترك إن شاء، وهو عين إسقاط التكليف، بخلاف ما إذا تقيد بالترجيح، فإنه متبع للدليل، فلا يكون متبعا للهوى ولا مسقطا للتكليف) ص87-88

  • ومن المعلوم أن الأمور المشتبهة لا تكون مشتبهة إلا بسبب نزاع العلماء فيها، فلو كان الشارع يبيح الأخذ بالترخص فيما اختلف فيه العلماء لأرشد إليه هاهنا ولم ينه عنه! فأنت ترى في هذا الحديث أن النبي ﷺ وهو أرفق الناس بأمته؛ لم يقل في الأمور المشتبهة ترخصوا وخذوا بالأرفق والأخف والأيسر باعتبار اختلاف المجتهدين فيها، بل أرشد أمته إلى تجنبها، وهذا الحديث بذاته دال أكمل دلالة على بطلان تتبع الرخص وتأويلات العلماء وعدم تحكيم نصوص الوحي على نزاعات العلماء. ص88-89

  • وسأختم هذه المعالجات الفقهية بتقسيم جميل ذكره فقيه العصر الشيخ ابن عثيمين، حيث يقول: (والناس في هذا ثلاثة أقسام: مفرط في إثبات الشرع؛ يأخذ بما يظهر له منه، وينكر الأسباب القدرية فيقول: إن الكسوف ليس له سبب حسي، ولا يمكن أن يدرك بالحساب. وربما يكفرون، أو يضللون من يقول بذلك. والثاني: مفرط في إثبات القدر، فيقول: إن للكسوف أسبابا حسية تدرك بالحساب. وينكرون ما سواها، ويضللون من يعتقد سواها مما جاء به الشرع. وكلا القسمين مصيب من وجه، مخطئ من وجه. والصواب مع القسم الثالث: الذين يأخذون بهذا وهذا، فيؤمنون بما شهد به الحس، وبما جاء به الشرع، ولا يرون بينهما تنافيًا، فإن الله تعالى يقدر الكسوف بأسباب حسية، لكن تقديره لهذه الأسباب له حكمة وغاية اقتضته؛ وهي تخويف الله تعالى لعباده، كما أن الصواعق، والعواصف، والزلازل المدمرة لها أسباب حسية معلومة عند أهل الخبرة، والله تعالى يرسلها ليخوف بها العباد). ص110

  • وهذا يؤكد أن «صلاة الكسوف» ليس الأساس التشريعي لها كون بني آدم يجهلون موعد الكسوف، أو كونه يفاجئهم بشكل اعتباطي خارج عن السنن الكونية؛ بل أساس تشريع صلاة الكسوف هو عظمة الآية ذاتها، فهذا النور الذي قال الله عنه: [هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا] (يونس:5) يذهب ضوؤه بشكل مهيب بما يذكر الناس بذهاب ضوء هذه الآيات يوم القيامة كما قال تعالى: [إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ] (التكوير:1 - 2)، ولذلك قال النبي عن هاتين الآيتين: (يخوف الله بهما عباده)(1) والتخويف ليس ناشئًا بسبب الجهل بموعد وقوع الآية، وإنما فرع عن هول الآية ذاتها. ص111

  • يتوهم الخاضعون لسلطة الثقافة الغالبة أن علم أصول الفقه بكامله علم اجتهادي، وهذا من جهلهم بعلوم الشريعة، وليس جهلهم فقط بعلم أصول الفقه، فإن علوم الشريعة كلها لا يوجد فيها علم بكامله اجتهادي، ولا علم بكامله قطعي بل علوم الشريعة كلها (العقيدة، التفسير، الحديث، الفقه، أصول الفقه، مقاصد الشريعة، إلخ) فيها مبادئ قطعية ثابتة لا تتغير، وفيها مسائل اجتهادية قابلة للنظر والاجتهاد والتحقيق والبحث وإعادة التحري. ص116

  • ومما يردده هؤلاء أثناء ردهم للأحاديث النبوية الصحيحة المخالفة للثقافة الغربية الغالبة، قولهم: (إنهم إنما أرادوا بذلك الدفاع عن النبي وليس القدح فيه، وأن لا ينسب للنبي ما يسيء إليه، وهذه حجة مستهلكة لهم يتسترون بها في تحريف الشريعة لتوافق قيم الغالب، وسيأتي هؤلاء تدريجيا وسيجحدون كل حكم شرعي يتعارض مع الثقافة الغربية المنتصرة باسم الدفاع عن النبي حتى لا ينسب إليه ما يسئ لصورته في الإعلام الغربي، وهكذا تلغى أحكام المرأة، وأحكام الجهاد، وأحكام الكافر.. إلخ، باسم الدفاع عن الإسلام من أن تتشوه صورته في الوعي الغربي. 156-157

  • «الاستحداث» في العلوم المدنية: مؤشر إبداع مطلوب، و«الاستحداث» في العلوم الشرعية: مؤشر تراجع وانحطاط، لذلك كان النبي، بكل وضوح يؤكد للصحابة هذين المنهجين المتعاكسين: ففي العلوم المدنية يقول لهم: (أنتم أعلم بأمر دنياكم)(1)، وفي العلوم الشرعية يقول لهم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)(2). فالعلوم الشرعية يعتبر فيها الإبداع؛ وهو القدرة على العودة للأمر الأول، أي لمنهج النبي ﷺ وأصحابه، أما العلوم المدنية فالإبداع فيها هو التحرر من الماضي، واستحداث الجديد، وهذا الفارق الجوهري في «بنية العلم ذاته» بين العلوم الشرعية والمدنية يذهل عنه كثير من الباحثين العرب، فتراهم للأسف قد قلبوا هذه المعادلة، ففي «العلوم المدنية» ليس لديهم إلا الاستيراد والتقليد، ولا نرى إبداعات عربية مدنية حقيقية تخرج بنا عن إطار الماضي وتقص لنا «بطاقة الصعود إلى المستقبل، وفي العلوم الشرعية، ليس لديهم إلا «الإحداث والابتداع» بما يتعارض مع منهج النبي وأصحابه. ص159

  • هذه الحياة مبنية على تقابل إرادتين، إرادة بشرية وإرادة إلهية: [تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ] (الأنفال:67)، والرغبات البشرية تتمظهر في سلوكيات مباشرة معزولة عن أساس نظري وهذه مشكلة العامة، أو الحل العامي، لا فرق، فسلوكهم مع رغباتهم وقلوبهم مع إرادة الله، ولذلك هم أرقي في المعيار القرآني. وبالمقابل، النخب المثقفة المرتهنة لثقافة غالبة تتألم من الارتطام المستمر بين رغبتها البشرية وإرادة الله الشرعية، فتصعد إلى تبديل مراد الله: [يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ] (الفتح:10)، فتصل إلى منطقة الخطر النهائي، إنه التعدي على الذات الإلهية، فشتان بين من يخالف نصوص القانون وبين من يزور نصوص القانون ذاته، الأولى مخالفة داخل الدولة والثانية اعتداء على الدولة ذاتها! ولله المثل الأعلى. ص161

  • صاحب استراتيجية اللابديل لا يقدم لك معنى للنص تناقشه، وتوازن بينه وبين تفسيرات الخطاب الشرعي السني، وإنما يقول لك: النص لا نهائي التفسيرات، ويتوقف، دون تعيين. وصاحب استراتيجية اللابديل لا يقدم لك «أصول فقه» تناقشها وتوازن بينها وبين أصول الفقه السنية، وإنما يقول لك: (يجب تجديد أصول الفقه ويسكت). ماذا تستطيع أن تناقش؟ لا شيء! وهكذا لا يقدم لك معايير علمية لفحص الأحاديث، وإنما يقول لك: (هناك مشكلات عميقة في تدوين السنة النبوية وعلم مصطلح الحديث)، ثم يتوقف. حسنا: ماهي قواعدك البديلة، وأعطني الأحاديث التي نصححها والتي تضعفها؟ لا يقدم لك شيئا، هاهنا ماذا تستطيع أن تناقش؟ وكيف يمكن أن توازن بينه وبين علوم السنة في الخطاب الشرعي السني؟ لا مجال لشيء من ذلك. وصاحب استراتيجية «اللابديل» يستهلك في معجمه تعابير من مثل: (هذا الحكم الشرعي لم يدرس جيدًا)، و(هذا المفهوم الشرعي لم يبحث بشكل صحيح)، إلخ. حسنا: ما هو الشيء الصحيح الذي تراه؟ لا يقدم لك شيئا خذ مثالا من زاوية أخرى: حين يأتيك شخص ويقدم أحكامًا بديلة في موضوع المرأة (الاختلاط، السفر بلا محرم، إلخ)، فإنه سرعان ما يتهاوى أمام مطارق النقد الشرعي، لكن حين يأتيك بالمعميات المفتوحة: (نحن لم نفهم المرأة)، (نحن لا نزال نقرأ نصوص المرأة تحت ضغط التقاليد)، (هناك إشكاليات ضخمة وعميقة في تعاملنا مع المرأة)، (أحكام المرأة تحتاج إلى قراءة جديدة)، (نحن بالغنا في الاحتياط مع المرأة)، إلخ.. حسنا.. أعطنا مثالا واحدا؟ يتحفظ في إعطاء الأمثلة! ماذا تستطيع أن تناقش؟ لا شيء يمكن القول أن أكثر خطاب منحرف مخاتلة ومداورة هو صاحب استراتيجية اللابديل، لأنه يراهن على «تقويض اليقين» بالخطاب الشرعي السني، لكنه بجبن عن أن يقدم مباشرة بديله المضمر؛ لأن استراتيجيته تقوم على أن الشاب حين يسقط يقينه فيمكن أن يتشرب البدائل الضعيفة بهدوء، فالجسم حين تذوي مناعته فإن الفيروسات الضعيفة تستطيع الاستيلاء عليه بكل يسر، وهذا بطبيعة الحال ليس أسلوب علمية، وأقل من أن يكون فكرة منحرفة، وإنما هو مجرد أسلوب ماكر يقوم على نصب الحبائل. ص163-164

  • ولست أشك أن أكثر خصوم الخطاب الشرعي السني دغلا وخديعة هم أصحاب استراتيجية اللابديل، الذين يستعملون العموميات التي تكتفي بزعزعة اليقين لدى الشاب، وحين يتصدع اليقين بالإرادة الإلهية يصبح القلب مهيئة لشحنه بأي الإرادات البشرية شئت، ولذلك كان من أكثر أنواع الأمراض التي نبه عليها القرآن مرض «الارتياب»، فالمرتاب لا يجد في نفسه القوة على المضي مع الإرادة الإلهية نتيجة التردد فيسقط فريسة للإرادات البشرية. تأمل كيف يشرح القرآن ذلك: [إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ] (التوبة:45). لم يستأذنوا الرسول عن المضي مع الإرادة الإلهية إلا بسبب ما غزا قلوبهم من الارتياب. وفي موطن آخر من كتاب الله شرح القرآن حالة فريق من الناس لا ينقادون لإرادة الله إلا إذا وافقت إرادتهم، فإذا خالفت إرادة الله رغباتهم امتنعوا عن الانقياد، أتدري بماذا فسر القرآن هذه الحالة؟ فسرها بأنها تعود إلى حالة «ارتياب» خفية، كما يقول تعالى: [وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا] (النور:48 – 50). يا الله.. كم بصنع الارتياب الخفي في النفوس؟! ولذلك لا يمكن أن يجتمع اليقين بكتاب الله مع الاسترقاق للثقافة الغربية الغالبة في قلب رجل واحد، فإن الارتياب في القلب هو الذي سبب الامتناع عن الانقياد لبعض أحكام الله، وقبول ما يتناسب منها مع رغباتهم وإراداتهم، ولو أقسم لك العلماني والليبرالي أيمانًا مغلظة بأنه موقن بالله وكتابه ورسوله فلا تذهب بعيدًا بهذه الأيمان: [يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ] (التوبة:62). ص165-166

  • ولأئمة أهل السنة والجماعة تصرفات دقيقة في الموقف من المخالف لا يتفطن لها كثير من الناس، فبعض الناس يستحضر دومًا المواقف التي فيها الشدة فقط، وبعض الناس يتشبث بالعبارات التي فيها لين مع المخالف فقط، وبعض الناس يظن أهل السنة مضطربين أصلا، ولا أصول عامة لهم في هذا الباب، وهذا كله بسبب فشو الجهل بطريقة الصحابة ومن تبعهم بإحسان بين جَمهور المنتسبين للفكر العربي تحت أثقال القيم الغربية المهيمنة. ص170

  • التمييز بين المسائل الظاهرة والاجتهادية من تأمل طريقة الصحابة وأئمة الهدى بشكل عام رأى أنهم يجتهدون في التمييز بين المسألة ذات الدليل الظاهر، والمسائل الاجتهادية التي يغمض ويدق مأخذها، فينكرون على المخالف في الأولى ويتسامحون ويتفهمون في الثانية… وغالب عمل الاتجاهات الفكرية الخاضعة لسلطة الثقافة الليبرالية الغالبة هو التفتيش عن الخلافات الشاذة والمعلومات المغلوطة … ففتحت ذريعة الخلاف صارت تعطل النصوص، حتى صار «الخلاف» أقوى حجية من «النص». ص171

  • التمييز بين الأصل والهفوة بعض الناس ينفي التشنيع في الإنكار على الأشخاص مطلقًا، وثمة بعض المتحمسين المنتسبين إلى طريقة السلف يشنع على المخالف في كل خطأ، وهذا كله غير دقيق، فيجب التفريق بين المخالف لأهل السنة في المسألة والمسألتين ونحوها فهذا مجرد هفوة، وبين المخالف لهم في أصل منهجي عام فهذا يجوز التشنيع عليه، والتشنيع عقوبة مصلحية لا حكم مطلق. والأصل المنهجي يعرف بأمرين: إما أن يصرح هذا المخالف بهذا الأصل، وإما أن يكثر من الفروع والتطبيقات التي يستخلص منها أن لديه أصلا كلية منحرفة حتى ولو لم يصرح به، ومن أحسن من شرح هذا المعنى الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه التأصيلي «الاعتصام»، حيث يقول: (المسألة الخامسة: أن هذه الفرق إنما تصير فرقا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات..، ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات، فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة، وأما الجزئي فبخلاف ذلك، بل يعد وقوع ذلك من المبتدع له كالزلة والفلتة) ص172

  • التمييز بين الرأي المطوي والرأي المنشور من رأي رأيًا مخالفًا للشرع لكنه يكتمه بين خاصته، فلا ينبغي الإنكار عليه فيه علنًا؛ لأن الإنكار علنا فيه نشر للمنكر، والشارع يكره المجاهرة ويحب الإسرار بالمعصية؛ لأن المجاهرة تحريض عملي على المعصية. لكن من نشر كتابًا أو أطلق فتوى مخالفة؛ فهاهنا يسوغ شرعا الإنكار علنًا لتنبيه الناس عن الوقوع في الخطأ، وبعض الناس يقول يجب نصحه سرًا مطلقا وهذا خطأ، بل يشرع كلا الأمرين: النصيحة سرًا، والإنكار علنا لتنبيه الناس، بحسب ما يقدر الداعية من المصالح. ص174-175

  • التمييز بين مقام الدعوة ومقام الإنكار في مقام الدعوة، قال تعالى: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ] (آل عمران:159)، وقال ﷺ في لين أخاذ لرجل كافر: (أفرغت يا أبا الوليد؟)(1)، وقال النبي: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه)(2). لكن في مقام الإنكار: قد يحتاج الداعية إلى الحزم والتعنيف والتوبيخ بحسب الحال، ولذلك قال تعالى: [جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ] (التوبة:73) فأمره أمرا صريحا بالغلظة؛ أي: إذا كانت مصلحتها أرجح بحسب الحال. ولما احتاج النبي للحزم والتوبيخ قال لبعض أصحابه: (بئس الخطيب أنت)(3)، وقال مرة لمن أفتى بغير علم: (قتلوه، قتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا؟) … وفي عبارة جامعة بديعة للإمام الجبل أبي العباس ابن تيمية لخص فيها هذا التمييز بين مقام الدعوة ومقام الإنكار بتشبيه في غاية البراعة البيانية فقال: (المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين) ص175-176

  • التمييز في أغراض «العبارات» بحسب الأشخاص يحصل أحيانا أن يستنكر أهل السنة عبارة قالها أحد أهل الأهواء، فيأتي بعض الفضلاء المغرر بهم ويقول: كيف تنتقدون هذه العبارة وقد قال مثلها فلان من العلماء؟ وهؤلاء لم يتفطنوا إلى أن من أصول أهل السنة تفسير أغراض الناس من عباراتهم بحسب مناهجهم، لا تفسيرها معزولة عن سياقاتها، ويشرح الإمام ابن القيم في كتابه «مدارج السالكين» هذه القضية فيقول: (والكلمة الواحدة يقولها اثنان؛ يريد بها أحدهما: أعظم الباطل، ويريد بها الآخر: محض الحق، والاعتبار: بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، وما يدعو إليه ويناظر عليه) ص176-177

  • كيف ننكر في مسألة شرعية والمخالفون فيها من العلماء كثيرون؟ لو كان العبرة في الإنكار هو التحقق من «عدد المخالفين»، أو عدم وجود «كثرة المخالف من العلماء»، لكان لا يجوز إنكار تأويل الصفات، وبعض مسائل التبرك، وصلاة التسابيح، وزيارة النساء إلى القبور، والمولد النبوي،.. إلخ؛ لأن المخالف في مثل هذه المسائل كثير، بل بعضها أطبق جَمهور العلماء المتأخرين على جوازها، ومع ذلك أنكرها المحققون من أهل السنة، ولم يلتفتوا لكثرة المخالف؛ لأن العبرة بما يظهر من الدليل لا بعدد المخالفين. ص178

  • كيف ننكر في مسألة شرعية ليست قطعية بل اجتهادية؟ أهل السنة بشكل عام لم يجعلوا المسائل على مرتبتين فقط «قطعي» و«اجتهادي»، بل ذكروا مراتب أخرى، مثل «المعلوم من الدين بالضرورة، ومثل «الظن الغالب»، و«الظن المحتف بالقرائن بما يورث القطع»، ومثل «التمييز بين النص والظاهر»، وغيرها. والمراد أن الإنكار لا ينحصر في «القطعي من جميع الوجوه» فقط، كما يقوله من يقوله من المفكرين المعاصرين، ومن تأثر بهم من بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي، بل حتى مسائل الخلاف التي ظهر فيها الدليل الطالب العلم فإنه بنكر وينصح، واعتبر ذلك بإنكار الصحابة في مسائل خلافية خالفهم فيها غيرهم من أصحاب النبي. ص178-179

  • من أهم أسباب الإشكال على بعض الأخيار أنهم يظنون أن قوة الإنكار درجة واحدة، ولذا يستشكلون أن يقال: ينكر في المسائل العقدية والفقهية، أو ينكر في القطعي والظن المحتفي بالقرائن والظن الغالب، وهذا الاستشكال ناشئ بسبب ضعف تصور قاعدة «تفاوت الإنكار»؛ فإن الإنكار، قوة وضعفا، ينبني على النظر في عدة اعتبارات منها: أن «الإنكار فرع عن العلم»؛ بمعنى أنه كلما قوي العلم بحقيقة المسألة كلما قوي الإنكار فيها، فالإنكار في القطعي التام أشد من الإنكار في الظن المحتف بالقرائن، والإنكار في الظن المحتف بالقرائن أشد من الإنكار في الظن الغالب، والإنكار في الظن الغالب أشد من الإنكار في الراجح. ومن الاعتبارات أيضا في قوة الإنكار: النظر في حال المنكر عليه، فمن غلب عليه اتباع الحق وجب الرفق في الإنكار عليه، ومن غلب عليه اتباع الهوى وجب معاملته بما يستحق. ص179-180

  • كيف ينكر على المتأول والجاهل وقد رفع الله عنهم الإثم؟ أكثر ما يسبب الغلط في مثل هذه المسائل، الخلط بين «باب الإنكار» وباب التأثيم، فباب الإنكار والنصيحة أوسع بكثير من باب التأثيم والحرج، فكثير من المتأولين الذين يقعون في مخالفة نص ظاهر، بنكر عليهم، وإن كانوا معذورين عند الله، فلا تلازم بين الإنكار والتأثيم؛ لأن هناك فرق بين أحكام الدنيا والآخرة. ص180

  • لا يوجد فرق دقيق بين القطعي والظني الغالب والاجتهادي، فكيف تكون معايير وهي غير منضبطة؟ وجود تردد في بعض المسائل هل هي من جنس القطع أم الظاهر أم الاجتهاد، هذا لا يلغي حقيقة هذه المراتب ذاتها، فإنه يكثر في ضوابط ومفاهيم الشريعة التردد في إلحاق بعض الأفراد بها، ومع ذلك لا يبطلها ذلك، مثل التردد في تعيين أفراد «الضروريات والحاجيات والتحسينيات» فهل يقال لا يوجد فرق بين الضروري والحاجي؟ أو لا يوجد فرق بين الحاجي والتحسيني، وعليه فإنه تقسيم غير منضبط فيرد؟ ومثل التردد في تعيين «أرجح المصلحتين» و«أرجح المفسدتين». ص181

  • قولهم: (هل الإسلام دين هش لنخشى من الشبهات؟). يخطر مثل هذا السؤال أثناء الدعوة للحصانة المنهجية، فتتكرر مثل هذه التساؤلات: (لماذا نخشى من نشر كتب الزنديق فلان؟ ولماذا نخشى من إتاحة البرامج التلفزيونية للمجدف فلان؟ هل بلغ إسلام المسلمين هذا المستوى من الهشاشة لدرجة أن صرنا نخشى من كل نسمة؟ دع الزنادقة يتحدثون حتى يفتضحوا أمام الناس) … ولذلك يفترض أن يكون السؤال معكوسة، فالسؤال ليس: (لماذا نخاف على غير المتخصصين من الشبهات؟) بل السؤال: لماذا نخاطر بإيمان غير المتخصصين والمطلعين من أجل شعارات الثقافة الغالبة؟! وفي نص بديع تحدث الإمام ابن تيمية وحلل هذه الإشكالية يقول فيه: (فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله؛ فهم مسلمون، ومعهم إيمان مجمل، ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئا فشيئا، إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون لا إلى اليقين ولا إلى الجهاد، ولو شككوا لشكوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفارًا ولا منافقين؛ بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ولرسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن بورد عليهم شبهات توجب ريبهم فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين وانتقلوا إلى نوع من النفاق، وكذلك إذا تعين عليهم الجهاد ولم يجاهدوا كانوا من أهل الوعيد، ولهذا لما قدم النبي المدينة أسلم عامة أهلها، فلما جاءت المحنة والابتلاء نافق من نافق، فلو مات هؤلاء قبل الامتحان لماتوا على الإسلام ودخلوا الجنة ولم يكونوا من المؤمنين حقًا الذين ابتلوا فظهر صدقهم) (1). وخلاصة الجواب عن هذه الإشكالية أنه ليس الإسلام دينًا هشًا لنخشى عليه من الشبهات، بل قلوب بني آدم هي الهشة وهي التي نخشى عليها، فنحن لا نخشى على الوحي بل نخشى على الأرواح التي تحمل الوحي أن تخسره بشبهة عارضة. ص182-184

  • قولهم: (لا تكن إقصائيا!) وهذه عبارة مجملة، فالإقصاء نوعان: «إقصاء واجب» شرعًا، وهو إقصاء كل فكرة أو مفهوم مخالف للقرآن والسنة، وإقصاء كل من بنشر الشبهات والشهوات بين المسلمين، ففي مثل هذه الحالة يجب علينا أن نكون إقصائيين، وكيف يستنكر الواجب شرعا؟! وثمة «إقصاء ممنوع» شرعًا، وهو إقصاء المخالف في المسائل الاجتهادية. ص184

  • قولهم: (ليس من حق أحد الوصاية على المجتمع). وهذه أيضا عبارة مجملة، بل الوصاية نوعان أيضا: «وصاية واجبة» وهي فريضة النهي عن المنكر، و«وصاية ممنوعة» وهي الوصاية على الناس في خياراتهم الاجتهادية والمباحة، وهذا التفصيل هدفه الرد للكليات العامة فقط، وإلا فإن أصل استخدام لفظ الوصاية» هنا غير مطابق؛ لأن الناصح ليس وصية أصلا، فالوصاية نوع من السلطة كالولاية والنظارة ونحوها، ففيها نيابة عن الغير في الإرادة والتنفيذ، وهذا لا شيء يوجد منه في النصيحة والإنكار. ص185

  • قولهم: (انتقد من شئت لكن ابتعد عن منهج الإسقاط): وهذه العبارة المجملة خاطئة من وجهين: أولهما: أنهم توهموا أن الإسقاط قرار فردي يتخذه شخص معين، وهذا مجرد وهم، فلا أحد يستطيع أن يسقط أحد مهما كانت مكانة الناقد، وإنما سقوط الشخص من جماعة أهل السنة مرتبط بواقع موضوعي يفرض نفسه، وتأمل في كثير من الفقهاء والدعاة والأعلام الذين خاض فيهم كبار بظلم وعدوان، ومع ذلك لم يستطيعوا إسقاطهم حينما كانوا على الجادة في الجملة. فهدئ من روعك فلا أحد يقوى على إعدام مكانة شخص آخر إلا إن كان ثمة واقع موضوعي يساعده على ذلك. والوجه الثاني لخطأ هذه العبارة: أن الإسقاط ليس بمذموم مطلقًا، بل فيه تفريق بين «الإسقاط بحق» أي لمن غلب خطؤه على صوابه، وإسقاط بظلمه لمن كانت أخطاءه مغمورة. ومن المعلوم للعام والخاص أن كثيرا من المنتسبين للعلم في عصور السلف لما كثرت مخالفتهم للأدلة وظهر اتباعهم للأهواء، أسقطهم السلف وذموا الأخذ عنهم. فالإسقاط بحق لمن كثرت مخالفتهم فرض كفائي شرعي؛ لأن ترك هذا النمط من الناس يبثون سمومهم المنتهكة للكتاب والسنة وطريقة السلف تدليس على الأمة، وأما الإسقاط بظلم، أي: لمن كانت أخطاؤه مغمورة، فهذا بغي مذموم. ص185-186

  • قولهم: (لماذا تتحدثون وكأنكم أنتم الصواب دون غيركم؟): مثل هذه العبارة لو تأمل فيها صاحبها لعلم أن مؤداها إغلاق باب الإنكار والاحتساب والنقد بالمرة، بل ما هو أشنع من ذلك؛ وهو سد باب اليقين في الشرعيات»!، وجوهر الضلال في هذه العبارة عدم تمييز صاحبها للقاعدة الأولى «التمييز بين المسائل الظاهرة والاجتهادية» فالمسائل الظاهرة يحمد للمكلف أن يوقن فيها بمدلول النص، لكن المسائل الاجتهادية هي التي يجب فيها الظن أو غلبته بحسب الحال، ولا يجوز أن يجعل المرء اجتهاده فيها هو الصواب المطلق دون غيره. ص186

  • قولهم: (لا أحد يملك الحقيقة المطلقة): هذه العبارة شائعة جدا في الفكر العربي المعاصر، وهي كالأرضية الكثير من أطروحاتهم، بل هي كالبسملة عندهم يبدؤون بها ويمهدون لمقالاتهم، وهذه العبارة خطأ من وجهين: أولها: تعبيرهم بـ«الامتلاك» ومن المستقر عند الناس جميعا أن الحقائق لا تملك أصلا بل تعرف وتعلم. ثانيا: لو قالوا: «لا أحد يستطيع أن يعرف الحقيقة المطلقة»، لتبين للناس مباشرة سذاجة هذه العبارة، ذلك أن الله جل وعلا وصف كتابه بأنه «يقين»، وأنه «لا ريب فيه»، و«محكم»، و«مُفصّل»، و«بينات»، وأن مضامينه «حقائقه»، فإذا كان بنو آدم لا يستطيعون أن يصلوا إلى هذه الحقائق المطلقة في القرآن فلأي شيء وصف الله كتابه بكل ذلك إذن؟ فمؤدي ذلك أن تلك الأوصاف عبث لا معنى لها تعالي الله ومن تأمل عبارتهم هذه علم أن مقتضاها أن كتاب الله وسنة رسول الله «غامضة»، لا توصل إلا إلى الحَيْرَة والتذبذب والتردد ولا توصل للحقائق المطلقة، فأي إزراء بالله ورسوله أكثر من ذلك؟ ص186-187

  • قولهم: (يجب أن ننتقد الأفكار دون الأشخاص): وهذا أيضا كلام محدث ليس على إطلاقه، بل هذا الإطلاق قطعًا مما يعلم مناقضته لإجماع السلف، فالسلف أحيانا ينتقدون المفاهيم والتصورات ويدعون ذكر الشخص إما لكونه فاضل وقع في هفوة، أو لتفادي رفع ذكر المنقود وإشهاره، أو لمصلحة مداراة أتباعه لئلا ينفروا، أو لغير ذلك من المصالح الشرعية. وتجدهم أحيانا أخرى ينتقدون الشخص باسمه، أو اسم كتابه، أو فتواه التي عرف بها؛ لمصالح شرعية أخرى مثل كثرة سؤال الناس عن الاستفادة منه، أو كونه متلون يستعمل العبارات المطلية لتمرير ضلالته، أو كونه جادا ساعيًا في ترويج أفكاره الباطلة، أو غير ذلك من المصالح الشرعية. ص187

  • و«الطائفية» لفظ محدث مجمل، ولأهل السنة قاعدة علمية دقيقة فيها، وهي الاستفصال في الألفاظ المجملة، فيقبل ما فيها من الحق، ويرد ما فيها من الباطل، ولا يتعامل معها بالإطلاق نفيا أو إثباتا، كما قال الإمام ابن تيمية في «درء التعارض»:(الألفاظ المجملة المتشابهة المشتملة على حق وباطل، ففي إثباتها إثبات حق وباطل، وفي نفيها نفي حق وباطل، فيمنع من كلا الإطلاقين) ص190

  • وقد قال الإمام ابن تيمية: (وأما ما سوى كلام الله ورسوله فلا يجوز أن يجعل أصلا بحال، ولا يجب التصديق بلفظ له حتى يفهم معناه، فإن كان موافقًا لما جاء به الرسول كان مقبولا، وإن كان مخالفًا كان مردودة، وإن كان مجملًا مشتملاً على حق وباطل، لم يجز إثباته أيضا، ولا يجوز نفي جميع معانيه، بل يجب المنع من إطلاق نفيه وإثباته، والتفصيل والاستفسار) ص 190-191

  • وأما قول بعضهم: (بعض الكفار يحسنون إلينا، فكيف نكرههم وهم يحسنون إلينا، ولا يوجد إنسان سوي إلا وهو يحب من أحسن إليه، ويجد ذلك في نفسه ضرورة). فهؤلاء المعترضون بمثل ذلك لم يتفطنوا إلى أن الحب هو حصيلة أفعال المحبوب، والبغض هو حصيلة أفعال المبغوض، فهذا الكافر أحسن إليك بمال أو هدية أو ابتسامة لكنه أساء إلى ربك بالكفر، وربك أغلى عليك من نفسك، ولذلك فإساءته لك أعظم أضعافا مضاعفة من إحسانه المادي إليك، إلا إن كانت نفسك أغلى عليك من ربك وخالقك، وصرت ترى أن من أساء إليك فهو مستحق للبغض، لكن من أحسن إليك وأساء لخالقك فهو مستحق للحب، فقائل هذا قد جعل نفسه أعظم من الله، وإلى هذا المعنى أشار السبكي إشارة بديعة للغاية حين قال في «فتاواه»: (والذي يظهر أن النفوس الطاهرة السليمة لا تبغض أحدا ولا تعاديه إلا بسبب، إما واصل إليها، أو إلى من تحبه أو يحبها، ومن هذا الباب عداوتنا للكفار بسبب تعرضهم إلى من هو أحب إلينا من أنفسنا)(1). فمن اعترض بالقول أنه ليس من المروءة أن أبغض كافرا أحسن إليه، فيقال له: بل ليس من المروءة أن تحب كافرا أساء لخالقك لمجرد أنه رشاك بلعاعة من الدنيا، فخالقك قد أحسن إليك أضعاف أضعاف ما يقدمه لك هذا الكافر، بل لا نسبة للنعم التي أعطاك إياها خالقك ولعاعة الدنيا التي أعطاك إياها هذا الكافر. وعلى أية حال، فإن من يستحضر أن هذا الكافر يسئ إلى الله إلهيته أو نبوة محمد ﷺ ولم يهجم على قلبه بغضه قلبية فهذا يعني أنه قلب ميت، فليبك على قلبه، فإن القلب الحي لا يرضى بأن يساء لخالقه ومولاه، إلا إن كان يعتبر الكفر وجهة نظر شخصية لا تغضب الله. ص206-207

  • وأما قولهم: (إن تغيير الحكم الشرعي في بغض الكفار سيكون له دور في الترويج للإسلام والدعوة). فقائل هذا الكلام عكس النتيجة كليًا؛ بل تحريف النصوص الشرعية في بعض الكفار أعظم ذريعة إلى الطعن في علماء الإسلام ودعاته أنهم كاذبون مخادعون يتلاعبون بنصوص شريعتهم لأجل مصالح حركية. ص208

  • لا يخدم صورة الإسلام مثل العلم الصحيح الصادق، نعم؛ قد يتدرج العالم أو الداعية في تنفيذ بعض الأحكام، أما تحريف الأحكام الشرعية فهذا لا يقع من عالم صادق لأجل أي مصلحة موهومة، وشتان بين التدرج والتحريف. ص209

  • النبي لم يتسامح مع أعياد الكفار كما تسامح مع كثير من شؤونهم الاجتماعية؛ لأن «العيد» في التصور الشرعي ليس شأن (اجتماعيًا) بل (شعيرة)، ولا يجوز مشاركة الكفار في شعائرهم، وهذا المعنى هو الذي عبر عنه ابن تيمية في لغة فقهية هندسها ببراعة مذهلة، تأمل معي بالله عليك هذا التحليل الذي يستخلصه ابن تيمية من الأحاديث السابقة، حيث يقول: (وأما الاعتبار في مسألة العيد فمن وجوه: أحدها: أن الأعياد من جملة الشرائع والمناهج والمناسك، التي قال الله: [لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ] (الحج:67) كالقبلة والصلاة والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج، فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر، بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره، ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه) ص222-223

  • إذا كان العيد «شعيرة» فهذا يعني أن من بهنيء كافرًا على عيده فكأنما يهنئه على شعيرة معينة، ولذلك قال ابن القيم: (وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحو، وكثير ممن لا قدر الدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبدة بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه) ص223-224

  • بعض من يجاهر بتهنئة الكفار على شعائر الكفر يفكر بالمحيط الاجتماعي القريب الذي يراقبه، أكثر من تفكيره بالكافر الذي يتلقى تهنئته، فبعضها أحيانا يظهر التهنئة كبطاقة هُوِيَّة في نادي الثقافة المعاصرة، وأحيانا تكون تهنئة عصرتها أجواء المشاحنات فهي أقرب لكونها تهنئة نكاية بالمخالف السلفي، أكثر من كونها تهنئة عَلاقة حميمة مع أحد الكفار. ص225

  • والحقيقة أن جوهرة كتاب ابن تيمية هي هذه الجملة المضمخة بكل معاني العزة والاستعلاء بهذا الدين وتوقير نبيه في القلوب حيث يقول: (فإن الكلمة الواحدة من سب النبي لا تحتمل بإسلام ألوف من الكفار، ولأن يظهر دين الله ظهورًا يمنع أحدا أن ينطق فيه بطعن أحب إلى الله ورسوله من أن يدخل فيه أقوام وهو منتهك مستهان) ص235

  • والحقيقة أن من قرأ كتاب الله صادقًا متجردًا، وقلب نظره في قصص أنبياء الله، الذين حكاهم الله لنا ليس للتسلية وإنما للعبرة والعمل والاهتداء والائتساء، فمن تأمل أخبار الأنبياء، وتأمل في المجتمعات التي بعثوا فيها، وما فيها من الفقر والمظالم والاستبداد، ثم تأمل كيف نظم الرسل أولوياتهم، وما القضايا التي صرفوا جهودهم فيها، وكيف تعاملوا مع الأحكام الشرعية التي تخالف الأمم الغالبة، انفتح له باب معرفة الحق. ثم لو تأمل الإنسان الصادق الباحث عن الحق في سيرة أئمة الهدى بعد الرسل، وهم أصحاب النبي، سيما من اختصوا بالعلم دون الولاية العامة؛ كابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وزيد بن ثابت، ثم من درس عليهم وسار على نهجهم من التابعين، وأركان التابعين أربعة كما يقول الإمام ابن تيمية (1)، وهم سعيد بن المسيب والحسن البصري وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح .. فإذا تدبر الباحث ما مضى، أعني تدبر مجتمعات الأنبياء التي بعثوا فيها، ثم قارنها بأولويات الأنبياء ونمط تعاملهم مع الأحكام الشرعية المخالفة للأم الغالبة في عصورهم، ثم تدبر مجتمعات أئمة الدين التي قاموا فيها، وقارنها بجهودهم وأولوياتهم وتعاملهم مع المعطيات الشرعية المعارضة للثقافات المعاصرة لهم، لم يبق عنده شعرة شك ولا ارتياب أن ما عليه الطوائف الفكرية المنكسرين لضغط الثقافة الغالبة أنه مناقض أشد المناقضة لطريقة الرسل وأئمة الهدى، وأن ما أدركنا عليه أئمة العلم من أهل السنة والجماعة أنه هو الموافق في الجملة الطريقة الأنبياء وأئمة الهدى، ولا يشك في ذلك إلا جاهل بسيرة الطرفين. ص237-238

  • وعامة الطوائف الفكرية المنهزمة للثقافة الغربية الغالبة لا ترى في الوجود إلا القضايا المادية، فالعدل عندها هو العدل المالي، برغم أن كل أوامر الله سبحانه نوع من العدل، ولا يعرفون من الظلم إلا المظالم المالية، برغم أن كل مناهي الله سبحانه نوع من الظلم، ولا يعرفون من الحقوق إلا الحقوق المالية، برغم أن لكتاب الله حقًا بصيانته من التحريف، ولسنة رسول الله حقا بصيانتها من الطعن، ولأصحاب رسول الله حق بصيانتهم من القدح، وللفضيلة والأعراض حقوق عظيمة بمقاومة من يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وللعلماء حق بالذب عنهم. ص239