معلومات الكتاب:

عنوان الكتابالماجريات
المؤلفإبراهيم عمر السكران
الناشردار الحضارة للنشر والتوزيع
سنة النشر2015
عدد الصفحات344
تاريخ القراءة2021-07-10

المقدمة#

  • من أعجب ما وقفت عليه حادثة باح بها الفقيه الواعظ د. محمد المختار الشنقيطي.. وهي قصة لها دلالات تهز الوعي.. فالشيخ الشنقيطي معروف بابتعاده عن الدخول في قضايا الشأن العام الساخنة. يقول الشيخ: (والله هذه الوسائل أمرها عجيب، جلست مرة من المرات على ما يسمى بتويتر، واسمه في النفس منه شيء، وفعلاً جلست بعد صلاة العشاء لأول مرة، حتى فوجئت بالسَّحَر، ذهب علي وردي من الليل، مصيبة عظيمة، ما تشعر بشيء، ما تشعر، ومن يعرف هذه الأشياء يعرف هذا…).

  • ترتب على حالة (متابعة الأخبار السياسية والنشرات المتتابعة والأحداث اليومية) أمران متقابلان، فمن جهة تدهورت الشهية العلمية والدعوية لدى هذه الشريحة، وأصبح يستثقل القراءة الجادة، والبحوث الطويلة الأجل، والصبر على الدروس ومجالس العلم، ولكن من جهة أخرى: صرت أرى في هذه الشريحة نمو الوعي بالواقع وتطور لغته السياسية، والواحد منهم لديه مخزون واضح من تفاصيل الأحداث يستثمره في البرهنة أثناء مناقشاته.

  • هذه الحالة المشار لها، النابعة عن اضطراب التوازن في التصفح الشبكي” تنتهي تدريجياً إلى انحلال الدافعية وهبوط العزيمة.

  • ومن جهة أخرى فإن إدمان متابعة الوقائع والأحداث والمجادلات الشبكية المتوالية يصوغ نمطاً من “التفكير الأفقي” لا يبصر إلا الغلاف والقشرة الخارجية من المتغيّرات، ولا يعرف إلا المُنتج النهائي من التصورات الذي يقدم للمستهلك العام، لأنه بكل اختصار غادر معامل الإنتاج إلى رفوف التسوق، وبالتالي فلا يمكن ترميم هذا النمط واستصلاحه إلا بإعادته للعيش التأهيلي في “عالم الإنتاج” وملامسة تفاصيله وصعوباته ومكابداته، وعالم الإنتاج هو الخبرات العلمية والتجارب الإصلاحية.

التمييزات الحاكمة#

أساس دراستنا هذه هي لظاهرة “مغالاة وإفراط في أصل صحيح مطلوب”.

1-التمييز بين فقه الواقع والغرق في الواقع:#

ذكر شمس الدين ابن القيم (ت751هـ) في إعلام الموقعين أنه لا يمكن الفتوى والحكم إلا بنوعين الأول “فهم الواقع الفقه فيه” والثاني “فهم حكم الله”، ثم قال (فالعلم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله)، وذكر أن هذين نوعين من الفقه فقال (فهاهنا نوعان من الفقه، لابد للحاكم منهما: فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس)4،ففهم الواقع وأحوال الناس نوع من الفقه، كما أن معرفة القواعد الشرعية الكلية نوع من الفقه، ويتركب من هذين الفقهين التنزيل الصحيح للقواعد الشرعية على الواقع.

كثيراً ممن اقتنع بضرورة “فقه الواقع” في العلم والإصلاح، تحول لا شعورياً إلى الغطس في الماجَرَيات والانغماس في دوامة الأحداث والوقائع حتى تجاوز القدر المطلوب، وخصوصاً عبر الأدوات الشبكية المعاصرة، والأحداث والوقائع السياسية، والجدل والمهاترات الفكرية والقضايا الصغيرة، فخرج عن “فقه الواقع” إلى “الغرق في وحل الواقع”.

2-التمييز بين المتابعة المُتفرِّجة والمتابعة المُنتِجة:#

ثمة قطاع واسع للأسف ممن يتابع الواقع الفكري والسياسي، وبمقصود نبيل وحسن، لا تتمخض متابعتهم عن إنتاج لا كماً ولا كيفاً، بل يتحول لكائن متفرج مراقب، منخرط في سلسلة الماجَرَيات الفكرية والسياسية، ويتصرم عمره في هذا المشهد الحزين، وهذا ما يمكن تسميته “المتابعة المتفرجة”. ومن أسباب عدم وعيه بهذه الإشكالية هو توهمه أنه يتابع ويلاحق الماجَرَيات الفكرية والسياسية لأهمية الوعي بالواقع حتى يستطيع الإنسان التأثير فيه.

3-التمييز بين المتابعة زمن التحصيل والمتابعة زمن العطاء:#

متابعة الواقع الفكري والسياسي ليست معطى مصمتاً ذا درجة واحدة، بل هو عمل يتفاوت قدره بحسب المرحلة العمرية، فالشاب الذي في السنوات الذهبية للتحصيل العلمي يفترض أن زهرة وقته في هذه المرحلة الذهبية تكون للتحصيل العلمي والتزكية الإيمانية، وأما فضول وقته وهوامشه فيطلع فيها على مجملات الواقع الفكري والسياسي دون تتبع التفاصيل. وأما إذا تجاوز المرء مرحلة التحصيل العلمي وبدأت مرحلة العطاء والنشر والبث فيزيد من قدر متابعة الواقع بما يحقق أغراضه اتجاهاً وكماً وكيفاً.

4-التمييز بين توظيف الآلة والارتهان للآلة:#

من أكثر الظواهر الإيجابية إدهاشاً اليوم تلك الثلة من المبدعين الذين استغلوا فرص النشر التي وفرتها ثورة نظم الاتصالات الحديثة، الشبكية والفضائية، وأخذوا يوظفّونها في بث الأمور النافعة للناس في دينهم ودنياهم، ولكن بعضهم تحولوا من مُنتِجين يوظّفون الآلة إلى مستتبعين تخرطهم الآلة في ماجرياتها، وتحولوا من مُنتِجين لأشرف ما يكون في هذه الوسائل من العلم والإيمان، إلى متلقين مستهلِكين لأدنى ما تُنتِجه هذه الشبكات من المهاترات الفكرية والشائعات السياسية.

5-التمييز بين فصل السياسة ومرتبة السياسة:#

من تدبر الواقع ربما يلاحظ أن هناك طريقين مفترقين رئيسيين، هما طريق فصل السياسة عن الدين، وطريق وصل السياسة بالدين. فأما اتجاه العلمنة أو اتجاه “الفصل” فيتبناه التيار العلماني صراحةً أو ضمناً، ويعني به فصل السياسة عن الأحكام الشرعية، وهو اتجاه منحرف معروف، وكتبت فيه دراسات متخصصة كثيرة. وأما اتجاه “التعميم” فهو اتجاه يقابل الاتجاه العلماني ويرى أن السياسة من صميم الدين، ويرى أن أس البلاء هو النظم السياسية الفاسدة، ويدعو - صراحةً أو ضمناً – إلى مطالبة عامة المشتغلين بالعلم والإصلاح لترك ما بأيديهم والاشتغال بالعمل السياسي. وأما اتجاه “السلطنة”، أعني الغلو السلطاني، فقد ظهر في المجتمع المسلم كرد فعل تجاوزي على الاتجاه الثاني ضمن ظروف استقطابات سياسية تاريخية معروفة، حيث يقر أصحاب هذا الاتجاه أن السياسة من الدين ومن صميم الشريعة. وكل هذه الاتجاهات الثلاثة مخالفة لطريقة أهل السنة والمنهج الشرعي الصحيح في فهم الإسلام، والصواب في منزلة السياسة أنها “تخصص” مطلوب، ومعنى كونها “تخصص” هو التمييز بين الاطلاع الإجمالي والاطلاع التفصيلي، أي أن “المتخصص” ينبغي له استيعاب “تفاصيلها” بقدر إمكانه والانقطاع لها والإبداع فيها، وأما “غير المتخصص” فيكفيه أن يعرف “مجملات” الواقع السياسي.

الفصل الأول: موقع الماجَرَيات#

يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: (فإن الإنسان إذا لم يخف من الله اتبع هواه، ولا سيما إذا كان طالباً ما لم يحصل له، فإن نفسه تبقى طالبة لما تستريح به وتدفع به الهم والغم والحزن عنها، وليس عندها من ذكر الله وعبادته ما تستريح إليه وبه؛ فيستريح إلى المحرمات من فعل الفواحش وشرب المحرمات وقول الزور، وذكر ماجَرَيات النفس والهزل واللعب، ومخالطة قرناء السوء وغير ذلك، ولا يستغني القلب إلا بعبادة الله تعالى).

صحبة الماجَرَياتيين:#

وكان مما يتعاضد به أهل العلم في سلوكهم إلى الله المراسلات التزكوية، وقد حُفِظت منها نماذج كثيرة، وفي رسالة أرسلها ابن القيم لأحد إخوانه يدعى علاء الدين شرح فيها بعض معاني الهداية والإمامة في الدين وجمعية القلب على الله ومشاهد الصلاة الستة، واستفتح ابن القيم رسالته لصاحبه هذه بشرح معنى كون الرجل مباركاً حيث يقول:

(فإن بركة الرجل تعليمه للخير حيث حل، ونصحه لكل من اجتمع به، قال الله إخباراً عن المسيح {وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ}..، ومن خلا من هذا فقد خلا من البركة، ومحقت بركة لقائه، فإنه يضيع الوقت في الماجَرَيات ويفسد القلب).

الطاقة الذهنية:#

الإنسان يملك في النهاية كمية معينة من وقود التفكير، فينبغي للمرء أن يكون حاذقاً في صرف طاقته الذهنية في المواد المجدية، يقول ابن القيم في فصل عقده في كتابه “الفوائد” في بيان أساس هذا المفهوم (أصل الخير والشر من قبل التفكر، فإن الفكر مبدأ الإرادة). ثم واصل وسبر وقسّم مسارات التفكير البشري الثمانية فقال:

(وأنفع الفكر: الفكر في مصالح المعاد، وفي طرق اجتلابها، وفي دفع مفاسد المعاد، وفي طرق اجتنابها، فهذه أربعة أفكار هي أجل الأفكار، ويليها أربعة: فكر في مصالح الدنيا، وطرق تحصيلها، وفكر في مفاسد الدنيا، وطرق الاحتراز منها، فعلى هذه الأقسام الثمانية دارت أفكار العقلاء).

ثم بدأ ابن القيم يستعرض نماذج من الأفكار الشريفة، وأتبعها بذكر نماذج أخرى من الأفكار الرديئة فقال:

(وبإزاء هذه الأفكار: الأفكار الرديئة التي تجول في قلوب أكثر هذا الخلق..، ومنها الفكر في جزئيات أحوال الناس، وماجَرَياتهم، ومداخلهم ومخارجهم، وتوابع ذلك من فكر النفوس المبطلة الفارغة من الله ورسوله والدار الآخرة).

فهذا تحليل بديع لكون المنطلق هو (التفكير)، وأن من الخسارة أن يتم إحراق طاقة التفكير في “الماجَرَيات” وأحوال الناس، بدل أن يتم تركيز مجهر التفكير في الموضوعات النافعة، فليس الإشكال أن تقضى الاجتماعات بذكر الماجَرَيات، بل يرى ابن القيم أنه حتى في خلوة المرء بنفسه يجب ألا يستهلك طاقته الذهنية في التفكير في هذه الحكايات والأحداث الجزئية العابرة، بل يستعملها استعمالاً منظماً في الأهداف الفاضلة الكبرى.

أهل الكمالات:#

وفي رصد آخر يقتنص ابن القيم الوجه المقابل من المشهد، وهو الشريحة التي تعلقت بالمعالي وكيف تعاملت مع الماجَرَيات، ففي كتابه “مدارج السالكين” تعرض ابن القيم لشرح منزلة السر وذكر الأخفياء الذين جاءت فيهم النصوص، كالذي رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)11، وكان من جملة ما ذكر من خصائصهم وأحوالهم أن قال:

(أهل هذه الطبقة، أثقل شيء عليهم: البحث عن ماجَرَيات الناس، وطلب تعرف أحوالهم، وأثقل ما على قلوبهم سماعها، فهم مشغولون عنها بشأنهم، فإذا اشتغلوا بما لا يعنيهم فاتهم ما هو أعظم عناية لهم، وإذا عَدّ غيرهم الاشتغال بذلك وسماعه من باب الظرف والأدب وستر الأحوال؛ كان هذا من خدع النفوس وتلبيسها، فإنه يحط الهمم العالية من أوجها إلى حضيضها، وربما يعز عليه أن يحصل همة أخرى يصعد بها إلى موضعه الذي كان فيه، فأهل الهمم والفِطَن الثاقبة لا يفتحون من آذانهم وقلوبهم طريقاً إلى ذلك، إلا ما تقاضاه الأمر وكانت مصلحته أرجح، وما عداه فبطالة وحط مرتبة).

بواعث الماجَرَيات:#

وحين تعرض أبو حامد الغزالي لآفات اللسان في إحياء علوم الدين ذكر أمثلة من الماجَرَيات والأخبار والأحداث والوقائع التي يشتغل الناس بها فقال:

(وحد الكلام فيما لا يعنيك: أن تتكلم بكلام لو سكتّ عنه لم تأثم، ولم تستضر به في حال ولا مآل، مثاله: أن تجلس مع قوم فتذكر لهم أسفارك، وما رأيت فيها من جبال وأنهار، وما وقع لك من الوقائع، وما استحسنته من الأطعمة والثياب، وما تعجبت منه من مشايخ البلاد ووقائعهم، فهذه أمور لو سكتّ عنها لم تأثم ولم تستضر..).

ويذكر لنا ابن الجوزي (597هـ) أمثلة للماجريات ليست من الشأن الخاص، بل من أحاديث الشأن العام، حيث يقول ابن الجوزي:

(ولقد شاهدت خلقاً كثيراً لا يعرفون معنى الحياة، فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله فهو يقعد في السوق أكثر النهار ينظر إلى الناس..، ومنهم من يُقطِّع الزمان بكثرة الحديث عن السلاطين، والغلاء والرخص، إلى غير ذلك، فعلمت أن الله تعالى لم يُطلع على شرف العمر ومعرفة قدر أوقات العافية إلا من وفقه وألهمه اغتنام ذلك، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)

ومن الأوصاف السلبية المستعملة في لغتنا العصرية اليوم التي توصف بها مثل هذه الماجَرَيات والحكايات، وصفها بأنها “كلام فارغ” وهو تعبير شائع في اللسان اليومي المعاصر، وقد لفت انتباهي أن هذا التركيب استعمل -أيضاً- لدى علماء المسلمين في القرون المتقدمة، ومن ذلك قول ابن الجوزي (597هـ) وهو يتوجع من أحوال بعض المنتسبين للعلم في عصره:

(كان المريد في بداية الزمان إذا أظلم قلبه، قصد زيارة بعض الصالحين، فانجلى ما أظلم، واليوم متى حصلت ذرة من الصدق لمريد، وكاد همه يجتمع وشتاته ينتظم، فخرج فلقي من يومأ إليه بعلم أو زهد، رأى عنده البطالين يجري معهم في مسلك الهذيان الذي لا ينفع، وأهون ما عليه تضييع الأوقات في “الحديث الفارغ”، فما يرجع المريد عن ذلك الوطن؛ إلا وقد اكتسب ظلمة في القلب، وشتاتاً في العزم، وغفلة عن ذكر الآخرة، فيعود مريض القلب، يتعب في معالجته أياماً كثيرة).

واستعمل النووي (676هـ) هذا التركيب -أيضا- فإنه في كتابه الأذكار لما تعرض للأذكار الواردة في الصلاة على الميت وأحوال الجنازة والمشي معها قال:

(وليحذر كل الحذر من الحديث بما لا فائدة فيه، فإن هذا وقت فكر وذكر يقبح فيه الغفلة واللهو، والاشتغال “بالحديث الفارغ”، فإن الكلام بما لا فائدة فيه منهي في جميع الأحوال، فكيف في هذا الحال؟!).

تأصيل الماجَرَيات:#

كان للفقيه المربي ابن سعدي رحمه الله استنباط قرآني لطيف حول الاشتغال بالماجَرَيات، حيث أدرجها في عموم مفهوم “لهو الحديث” الوارد في فواتح سورة لقمان في قول الله: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } (لقمان: 6). حيث يقول ابن سعدي رحمه الله:

“لهو الحديث” أي: الأحاديث الملهية للقلوب، الصادة لها عن أجل مطلوب، فدخل في هذا كل كلام محرم، وكل لغو وباطل وهذيان، من الأقوال المرغبة في الكفر والفسوق والعصيان، ومن غناء ومزامير شيطان، ومن الماجريات الملهية التي لا نفع فيها في دين ولا دنيا).

ومن التأصيلات العلمية لموقع الماجريات، والتي ذكرها أهل العلم، إدراجهم لها في حديث المغيرة بن شعبة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال).

الفصل الثاني: الماجَرَيات الشبكية#

أفاد 20٪ من طلاب جامعة هارفارد أن استخدام الانترنت بات يعرقل تحصيلهم الدراسي وأنهم يسألون عن علاج لهذه الحالة.

ورغم اتفاق الباحثين في هذا الحقل على هذه الظواهر المرضية إلا أنهم يختلفون في تصنيفها هل يصنف فعلاً اضطراب إدمان (addiction disorder)؟ أم هو مجرد استعمال مَرَضي ومُشكِل لمحتويات محددة في شبكة الإنترنت (problematic internet use)؟، وهو جدل تصنيفي تخصصي يخرج عن إطار اهتمامنا هنا ويمكن مراجعته في الدراسات التي عنيت بعرضه.

إدمان التواصل الشبكي (SNS addiction):#

ينبّه الباحثون في هذا الحقل إلى أنه ليس المراد بالإدمان الشبكي إدمان الآلات المادية المحسوسة لهذه الأجهزة التقنية، وإنما مرادهم –بطبيعة الحال- إدمان المحتوى ذاته وإنما هذه الأجهزة وسائط، وبشكل أكثر تحديداً فإن المحتوى الذي يشار له في هذه الدراسات هو شبكات التواصل الاجتماعي وغرف الدردشة وألعاب الفيديو والقمار الإلكتروني والمواد الإباحية ونحوها، كما سيأتي الإشارة إليه، ويحظى الإفراط في الانهماك في شبكات التواصل الاجتماعي بدراسات خاصة تسمى اختصاراً (SNS addiction)، وهو يعنينا في موضوع كتابنا هذا أكثر من غيره من صور الإدمان الشبكي لأنه –وبحسب اطلاعي- هو أكثر المحتويات الشبكية قدرة على اصطياد الشرائح الجادّة المشغولة بالعلم والإصلاح.

التصفح القسري:#

ومن الملاحظ أن بعض الناس أثناء الأوقات الجادة المخصصة للمهام، كاجتماع عمل أو حضور درس أو مذاكرة لاختبار أو بحث علمي أو ساعة ذِكْر وتلاوة ونحو ذلك، تتسلل يده مراراً إلى هاتفه الذكي ويفتح شبكات التواصل مثلاً، ويبدأ إبهامه في تمرير الصفحات، فهل هذه مجرد عادة (Habit) أم هي إدمان (addiction)؟ المتخصصون في هذا الحقل يشيع بينهم التأكيد على أن الفارق بين العادة والإدمان هو صفة “القهرية” (compulsive)، فالعادة تظل محكومة بالقدرة على السيطرة على الإرادة، بخلاف الإدمان الذي يتحول إلى سلوك قهري.

الأعراض الانسحابية:#

من المفاهيم التقليدية المعروفة في الإدمان الكيميائي ما يسمى “الأعراض الانسحابية” (withdrawal symptoms)31، وهي حالة تصيب الجسم عند التوقف المفاجئ عن المواد التي أدمن عليها، حيث يبدأ انسحاب السموم من الجسم، وهذه الأعراض المصاحبة مثل التوتر والقلق والغثيان ونحوها، ومن الملاحظات الطريفة التي تشير إليها دراسات هذا الموضوع، أن العينات محل الدراسة التي تم تشخيصها بأنها مدمنة على الإنترنت، وهو إدمان سلوكي وليس كيميائي، ظهر عليها أيضاً “الأعراض الانسحابية” عند التوقف المفاجئ عن استخدام الإنترنت، فيظهر عليها الغضب والقل والتوتر والانزعاج32.

إغراء أم مهرب؟#

ومن التصورات الشائعة: الظن أن العامل الجوهري في الإدمان الشبكي هو بفعل الجاذبية الاستثنائية للمحتوى على الانترنت بحيث يخلب المرء عن المهام الأخرى، وهذا التصور غير دقيق البتة، فقد أكدت دراسات هذا الحقل أن الإدمان الشبكي كثيراً ما يكون “آلية هروب نفسي” (psychological escape mechanism) للفرار من تعقيدات المهام والمطالب العلمية والعملية، كما يقول مثلاً بعض الباحثين (هذا النوع من التفكير المكروب قد يقود إلى استخدام قهري للإنترنت لتوفير آلية هروب نفسي لتحاشي المشكلات الحقيقية أو المتخيلة).

العمى الزمني:#

ومن الظواهر التي كشفتها هذه الدراسات بشكل مبكر ما يسميه بعض الباحثين التواء أو التفاف الزمن (Terminal Time warp) أو الثقوب الزمنية، وهو استعارة لظاهرة فلكية افتراضية بحيث يبدو المتصل كأنما يقفز من لحظة زمنية إلى أخرى، ويقصدون به مشكلة (فقد الإحساس بالزمن) أثناء الاتصال بالشبكة.

مدمنو البيانات (Dataholics):#

من العقبات المعروفة في البحوث العلمية شح المعلومات في موضوع البحث التي تجعل الباحث يقلب الكتب وهو كاسف البال ويراسل المختصين فلا يعود بطائل ويصبح البحث كالجبل فوق رأسه، ولكن ليس هذا كل شيء، ليس شح المعلومات هو المشكلة فقط، فإن الكثرة المفرطة في المعلومات موضوع البحث هي أيضاً عقبة أخرى أكثر شيوعاً اليوم، فترى الباحث كلما ظن أنه استوعب منطقة البحث وحرثها جيداً، انفتحت عليه أبواب ومساحات أخرى فيتشعب ويتفرع ويتعنقد حتى تخور قواه، فلا يسفعه الوقت لدراسة هذه المعلومات المتدفقة المتناسلة، وبذات الوقت يعز عليه أن يختم البحث ويستخلص النتائج وما زالت بعض معطياته مجهولة له، وخصوصاً إذا كان الباحث من المصابين بشهوة الاستقصاء.

تسلسل التصفح:#

كيف تمكنت الماجَرَيات الشبكية أن تجرّ المتابع داخل الدوامة الزمنية دون الشعور بالوقت؟ يبدو لي أن مفتاح فهم الظاهرة هو قضية “تسلسل التصفح”، فالمادة الشبكية هي منظومة روابط (لينكات) يفضي بعضها إلى بعض، ومواد قصيرة متتالية يرتكز أغلبها على العرص البسيط المثير، ولذلك يستمر المتابع في هذه السلسلة التي تسلمك حلقاتها للأخرى.

لحظات التسلل:#

ثمة حالات كثيرة طبعاً للتسلّل الشبكي، لكن يمكن لنا أن نرصد من حالات التسلل للفضول الشبكي ثلاث حالات: وهي حالة ضغط المهام، وحالة الاسترخاء بين المهام، وحالة استفتاح العمل.

الاستمراء بمواطأة النظراء:#

النفس البشرية بطبيعتها «قَطَوَيّةَ تستروح بالمشابهة كما قال الإمام ابن تيمية (الناس كأسراب القطا مجبولون عل تشبه بعضهم ببعض). فما دام طالب العلم يرى طائفة من المنتسبين للعلم والثقافة والتغيير منخرطين في هذه الشبكات التواصلية فإنه يخف وقع الأمر في نفسه، حتى لو كان بينه وبينهم فرق في تنظيم الوقت والتحكم فيه، ولأبي حامد الغزالى (ت505ه)‏ نص بديع يشرح فيه كيف يستمرئ الإنسان الأمر بمواطأة نظرائه عليه، حيث يقول أبو حامد بطريقته البديعة في ضرب الأمثال:

(ومما يدل على سقوط وقع الشيء عن القلب بسبيب تكرره ومشاهدته؛ أن أكثر الناس إذا رأوا مسلماً أفطر في نهار رمضان استبعدوا ذلك منه استبعاداً يكاد يفضي الى اعتقادهم كفره وقد يشاهدون من يخرج الصلوات عن أوقاتها ولا تنفر عنه طباعهم كنفرتهم عن تأخير الصوم! مع أن صلاة واحدة يقتضي تركها الكفر عند قوم وحز الرقبة عند قوم وترك صوم رمضان كله لا يقتضيه ولا سبب له إلا أن الصلاة تتكرر والتساهل فيها مما يكثر فيسقط وقعها بالمشاهدة عن القلب. ولذلك لو لبس الفقيه ثوباً من حرير أو خاتماً من ذهب استبعدته النفوس، واشتد إنكارها وقد يشاهد في مجلس طويل لا يتكلم إلا بما هو اغتياب للناس ولا يستبعد منه ذلك… ولكن كثرة سماع الغيبة ومشاهدة المغتابين أسقط وقعها عن القلوب وهوّن علي النفس أمرها).

ويلخص أبو حامد هذه الخاصية النفسية بقوله (ومبدأ سقوط الثقل وقوع الأنس بكثرة السماع).

حجية كثرة الطَّرْق:#

من مشكلات التكوين عبر شبكات التواصل، وخصوصاً ذات النصوص أو المشاهد القصيرة، أن الاتجاهات المنحرفة تعتمد فيها على «كثرة الطرق» للدعوى دون برهنة، أو بحجة شعارية هشة من الداخل، لكنها مع كثرة الطرق تأخذ شرعية تشبه شرعية الكثرة الانتخابية لا شرعية العلم والبرهان والدليل، وهذه الحالة تؤثر على التفكير العلمي تأثيراً سلبياً عميقاً بما ينتهي إلى حالة يمكن تسميتها حالة «شلل المقدرة الاستدلالية» عبر تورم المعرفة بالدعاوى والفرضيات والمزاعم وضمور العلم بالحجج والبراهين والأدلة، وهذا يفضي تدريجياً إلى التوهان والحيرة والّلا حسم.

ما المطلوب؟#

بعد أن استعرضنا بعض مظاهر الماجَرَيات الشبكية نعيد تأكيد السؤال: ما المطلوب؟ هل المطلوب مقاطعة هذه الوسائل المذهلة في قدراتها واعتزالها؟ لا طبعاً، بل هذا رد فعل تجاوزي شديد الضرر، بل المطلوب هو «التوازن» في معاملة نظم الاتصالات، وإيلاء هذه المشكلة حقها من العناية، وأن لا تقودنا مشاهدة النظراء إلى التساكت المتبادل وتجاهل المعضلة، وخصوصاً في المرحلة الذهبية للتحصيل العلمي، فمن كانت هذه الشبكات قد لكزته في دوامة الماجَرَيات فيفترض به الوقوف الصارم مع الذات وإعادة تنظيم العلاقة لتكون «متابعة منتِجة» ومتناسبة مع القدر المطلوب فلا تطغى على مهامه الأخرى العلمية والعملية، ولا تبعثر جمعية قلبه على الله..

الفصل الثالث: الماجَرَيات السياسية#

سبق أن تداولنا سوياً التمييز بين الأنماط الأربعة المطروحة للعلاقة بين السياسة والخطاب الشرعي، وهي العلمنة والسلطنة والتعميم والتخصص. وموضوع بحثنا هو الاتجاه الثالث المشار له آنفاً (اتجاه التعميم)، الذي يثير إشكالية (القدر الزائد من الانهماك السياسي)، أو ما يمكن تسميته (التخمة السياسية). حيث سنقرأ هذه الإشكالية من خلال التجارب التاريخية (الجادة) للعلماء المصلحين والمفكرين الإسلاميين في هذا العصر، وكيف تعاملوا مع إشكالية القدر الزائد من الانهماك السياسي، وكيف يمكن أن نستثمر المادة التاريخية في إنهاش الدافعية المشلولة. هذا يعني أننا يجب أن ننتخب عدة عينات للدراسة بحيث تكون: (جادة) و(مستقلة)، ولها موقف نقدي من إشكالية (التعميم السياسي)، على أن تمثل هذه العينات شيئاً من التنوع في الخلفيات والجغرافية وزاوية النظر النقدي، ولأجل ذلك اخترنا نموذجاً للعالم المصلح وهو البشير الإبراهيمي، ونموذجاً للداعية الإسلامي وهو الندوي وفريد الأنصاري، ونموذجاً للمفكر الإسلامي وهو مالك بن نبي والمسيري. وهذه العينات تمثل أيضاً تنوعات جغرافية: من الهندي (الندوي)، ومصر (المسيري)، والجزائر (البشير الإبراهيمي ومالك بن نبي)، والمغرب (فريد الأنصاري)، وكل هذه الشخصيات لها رؤية لا توافق التعميم السياسي، وكلها أيضاً ليست موضع تهمة بأنها اتخذت هذه المواقف مُصانعةٌ لمستبدٍّ ما، وإلا لفقد النموذج دلالته.

حصائل وتعقيبات:#

  • رأينا من خلال ما سبق أنه لا يمكن إصلاح هذا الواقع دون فقه الواقع، أي دون استيعاب أنماط تشكّله وصيغ تفكيره وطبيعة احتياجاته وحدود إمكاناته، سواءً الاطلاع على الواقع الفكري أو الواقع السياسي، ولكن للأسف فإن بعضاً ممن دخل بمثل هذا المقصد الشهم اضطرب توازنه، فمالت به تروس الشبكات واستولجته في مسلسل أحداثها ووقائعها حتى بات مُستتبَعاً مَقوداً في حراكها، بعد أن كان طرفاً مُنتِجاً يستثمرها.

  • ولقد لمسنا في مدرسة البشير الإبراهيمي - أسبل الله على قبره الرحمات- تمثالاً مجسداً للجديّة والتسامي عن الترهات، وتعلمنا نموذجاً خلاباً لمعادلة التوازن، عبر فقه الواقع وإصلاحه دون الذوبان في ماجَرَياته، كان تاريخاً أخّاذاً من التكوين العلمي الجاد، في حفظ العلم وضبطه، وفي الجلد والدأب على المطالعة وجرد الخزائن، ثم رأينا كيف مكث يَدْرُس مجتمعه زمناً ويصمم مشروع الإصلاح الواقعي الحصيف، ثم اجتهاده في العمل الإصلاحي الفعلي وصبره على البلوى والضراء، وطالعنا شدة تحذيرات الشيخ البشير لشباب الإسلام أن لا يفقدوا توازنهم فينصرفوا عن العلم إلى الانهماك المفرط في جدل الأنباء والوقائع والأحداث.

  • ورأينا في تجربة مالك بن نبي رحمه الله نموذجاً للجدية في المعرفة والتحليل، وكيف دفع الأكلاف الباهضة لقاء موقفه المبادئي من هيمنة الاستعمار وهو تحت نيره، ومر بنا هتافات مالك بن نبي الحارّة للأمة بأن الطريق ليس الانخراط العام في الخطابات والجدليات السياسية والإفراط في لغة الحقوق والمطالبة، وإنما الطريق عنده هو ما يسميه «منطق العمل” الذي يحوّل الأمة كلها -حسب تعبيره- إلى «ورشة للعمل المثمر”.

  • وأما أبو الحسن النّدْوي رحمه الله فمن أجلى لحظات جديّته مثابرته في ريعان الفتوة لتعلم أربع لغات، ثم القراءة المنظمة في تاريخ الأمم والثقافات بتلك اللغات الأربع، وتوظيف ذلك كله في صياغة أطروحته المدوية لكشف وبرهنة خسارة العالم بتراجع المسلمين عن دورهم التاريخي.. ومن جهة أخرى لفت أبو الحسن انتباهنا إلى النهاية القصوى لمستوى التصعيد في الانهماك السياسي وهو رفعه من مستوى السلوك العارض إلى مستوى التأصيل الشرعي بجعل غاية وغرض الإسلام هو المشروع السياسي والبقية وسائل، ثم أوضح أبو الحسن ماذا يتمخض عن ذلك من المآلات.

  • لن أنسى أن المثقف شديد الحضور د. عبد الوهاب المسيري رحمه الله كان يشتغل في الموسوعة منذ السادسة صباحاً وحتى الثانية عشرة مساءً! وقد عكف على المشروع ثلاثين عاماً، ثم مغامرته في الدخول للكويت لحظة الاجتياح العراقي لإنقاذ ملفات مشروعه الثقافي، وأخبرنا المسيري أنه من أكبر الأوهام تصوّر أن المشروع الفكري المؤثر في الواقع يلزم منه الانهماك في ملاحقة الأحداث والأنباء اليومية، بل أخبرنا المسيري صاحب المشروع الفكري المؤثر أنه مارس على نفسه ما سمّاه «الانفصال المؤقت» و«الانغلاق النسبي» و”العزلة النسية»، وتحاشى الكتابة الحدثّية الدورية ليتفرغ لتأسيس منظور حول البني والكليات.

  • ولا أعلم شخصية علمية أو دعوية معاصرة منحت هذه الإشكالية اهتماماً وتأليفاً مثل الشيخ د. فريد الأنصاري رحمه الله حيث كتب في تأصيل إشكالية العلاقة بين الحقل السياسي والمشروع الدعوي أربع دراسات (الفجور السياسي، التضخم السياسي، الأخطاء الستة، الفطرية)، وكان يتحزّن ويلتعج وهو يروي قصة شباب كان يراهم من حوله يذوقون حلاة الإيمان ثم ما زالت بهم الماجريات السياسية حتى فقدوا الشعور بهويتهم الإسلامية، وحتى تحولوا من دعاة يوظِّفون السياسة لإصلاح المجتمع، إلى مجرد أدوات توظفهم السياسة للتربيت على الغطيط الاجتماعي.

  • الدوران في تروس الماجَرَيات الفكرية والسياسية يزيح المرء عن الجهود الجادة والمنظمة في المعرفة والإيمان والإصلاح، وينتهي بصاحبه إلى حالة “كثرة الثرثرة وشح العمل»، ويخلق الوعي المزيف بأن يتوهم المرء أنه في كبد مشروعات الإصلاح، وهو واضع ذقنه على كفه فوق أريكة المشاهدين لا غير.

  • سبق أن نقلنا عن المسيري أسلوبه في «الانفصال المؤقت» و«العزلة النسبية» عن الأخبار، والحقيقة أن أسلوب الإمساك عن متابعة الأخبار لغرض صحيح مؤقت روي عن طائفة من السلف، فقد روي عن التابعي الجليل مُطرِّف بن عبد الله بن الشخير (ت95هـ)، أنه قال (لبثت في فتنة ابن الزبير تسعاً أو سبعاً، ما أَخبرْت فيها بخبر، ولا استخبرت فيها عن خبر). وجاء نحو هذا عن القاضي شريح (ت80هـ) حيث روى ابن أبي شيبة وغيره عن شريح قال (ما أخبرت ولا استخبرت مذ كانت الفتنة)، والاستخبار هو طلب الأخبار والسؤال عنها، فهم يحكون تجربة لهم أنهم في مدة معينة حجزوا أنفسهم عن نقل الأخبار وعن تطلّبها والتفتيش عنها، لغرض شرعي صحيح.

  • تحدث شمس الدين ابن القيم على معنى «الغيرة على الزمن» في عدد من كتبه، فوضع مبحثاً في كتابه «الفوائد» في أنوع الغيرة، وذكر منها (وكذلك يغار على أوقاته أن يذهب منها وقت في غير رضي محبوبه)، وشرح ابن القيم “باب الغيرة» في منازل أبي إسماعيل وقال (الوقت أعز شيء عليه، يغار عليه).

  • يعبر الناس عن الزمن بوحدات كثيرة كالأيام والساعات والدقائق الخ، ومن ألطف تلك الألقاب ما روي من التعبير عن الزمن بـ «الأنفاس»! كما قال أبو القاسم اللالكائي (ت418هـ) في التنويه بأئمة أهل السنة (وأنفاسُهُم على الأوقات محفوظة)، وهذا التعبير عن الوقت بالأنفاس نافقٌ في مدونات السلوك، بحيث ينظر لكل نَفسٍ من الأنفاس باعتباره وحدة عُمريّة كاملة، كما قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله (الأوقات تعد بالأنفاس).

  • مما يؤجج العزيمة للغيرة على الزمن وأنفاس العمر قياس الاشتغال بالماجَرَيات إلى كلام العلماء في الاشتغال بفضول العلوم الشرعية، فقد تعاقبت مقالات الأئمة في التزهيد بفضول العلم ومُلَحِه ضناً بالعمر وتوفراً له على “العلم الذي تحته عمل»، وفضول العلوم الشرعية عندهم من جنس نوادر المسائل الفقهية والاستكثار من أسانيد الأحاديث الثابتة ووحشي اللغة، وهذه كلها وهي أقرب نسباً للوحي، فكيف بتتبع جدالات ومماحكات الشبكات الاجتماعية؟! وكيف بالزمن يُسفَح على مُهاترات جاز الأمر مطالعتها إلى تصويرها وتبادلها.

  • وبعد هذه الجولات في الماجريات الشبكية والفكرية والسياسية ستبقى المسألة أولاً وآخراً مسألة “توازن».. ويجب أن لا نستسلم لحالة الانجراف في دوامة الماجريات بسبب تتابع كثير من الناس على ذلك.. ويجب أن تكون هناك نقطة توقّف تُعاد فيها الحسابات بشكل دقيق.. فبسبب هذا الغوص في الماجريات اليومية باتت أنفاس الزمان تغادر فارغة.. وجمعية القلب على الله تتبعثر.. والكتب المُشتراة على حالها منذ آماد.. والإنتاج الإصلاحي قد تجمّد وآل الأمر إلى “كثرة الكلام وقلة العمل» ولا شيء أكثر حزناً أن يتوهم الماجرياتي أنه في قلب عملية التغيير وفقه الواقع وهو مجرد مراقب ومتفرج لا غير.