معلومات الكتاب:

عنوان الكتابالرسالة التبوكية (زاد المهاجر إلى ربه)
المؤلفابن القيم الجوزية
الناشردار عالم الفوائد
سنة النشر1995
عدد الصفحات116
تاريخ القراءة2021-08-04

أمر الله عباده بالفرار إليه، واللجوء إلى جنابه، والهجرة إلى رِضوانه، فالفرار يكون من أوحال المعصية إلى جنات الطاعة، واللجوء يكون من طُغيان المخلوقين إلى عزة رب العالمين، والهجرة تكون من ضيق الدنيا وأوزارها إلى سَعة رحمة الله وحُسن هداه. ولما كانت الدنيا دارَ غُربة وانتقال لا دارَ وطن واستقرار، أرشد الله عباده إلى أهمِّ ما يقطعون به منازلَ السفر إليه وينفقون فيه بقيةَ أعمارهم، فأرشد مَن بيده الرشد إلى أن أهم شيء يقصده العبد إنما هو الهجرة إلى الله ورسوله.

  • قال الشيخ عبد القادر قدَّسَ الله روحَه: “كنْ مع الحقّ بلا خَلْق، ومع الخلق بلا نَفْس، ومن لم يكن كذلك لم يزل في تخبيط، ولم يزل أمره فُرطا” ص15

  • لما فَصَلَتْ عِيْرُ السَّيْر (5)، وأستوطنَ المسافر دارَ الغُربةِ، وحِيْلَ بينه وبينَ مَأْلوفاته وعوائدِه المتعلقة بالوطنِ ولوازمِه، أحدثَ له ذلك نظرا آخر (6)؛ فأجالَ فِكْرَه في أهمِّ ما يَقطَعُ به منازلَ سفرِه (7) إلى الله ويُنفِقُ فيه بقيةَ عمره، فأرشدَه مَن بيدِه الرشد إلى أن أهمَّ شيء يَقصِده إنما هو الهجرة إلى الله ورسوله، فإنها فرض عين (8) على كلِّ أحد في كلِّ وقت، وأنه لا انفكاكَ لأحد من وجوبها، وهي مطلوبُ الله ومراده من العباد، إذ الهجرة هجرتان: هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، وهذه أحكامها معلومة، وليس المرادُ الكلامَ فيها. والهجرة الثانية هجرة (1) بالقلب إلى الله ورسوله، وهذه هي المقصودة (2) هنا. وهذه الهجرةُ هي الهجرة الحقيقية، وهي الأصل، وهجرة الجسدِ تابعةٌ لها، وهي هجرة تتضمن “من” و"إلى": فيهاجرُ بقلبه من محبة غير الله إلى محبته. ومن عبوديةِ غيره إلى عبوديته. ومن خوفِ غيرِه ورجائِه والتوكلِ عليه إلى خوفِ الله ورجائِه والتوكلِ عليه. ومن دعاء غيرِه وسؤالِه والخضوع له والذُّلِّ له (3) والاستكانةِ له إلى دُعاءِ ربِّه (4) وسؤالِه والخضوعِ له والذلِّ والاستكانةِ له (5). وهذا هو (6) بعينه معنى الفرار إليه، قال تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} (7). فالتوحيد المطلوب من العبد هو الفرار من الله إليه. ص15

  • فاسمع الآنَ شأنَ هذه الهجرة والدلالة عليها، وحاسِبْ نفسَكَ (4) بينك وبين الله هل أنت من المهاجرين لها أو المهاجرين إليها؟ فحدُّ هذه الهجرة: سفر الفكر في كل مسألة من مسائل الإيمان، ونازلة من نوازل (5) القلوب، وحادثةٍ من حوادث الأحكام، إلى معدِن الهُدى ومنبع النور المتلقى من فم الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} (6)، فكل مسألةٍ طلعتْ (7) عليها شمسُ رسالتِه وإلا فاقذِفْ بها في بحار الظلمات، وكل شاهد عدَّله هذا المزكِّي الصادق (1) وإلا فعُدَّهُ من أهل الريب والتهمات؛ فهذا هو حدُّ هذه الهجرة. ص23

  • والمقصود أن هذه الهجرة فرض على كل مسلم، وهي مقتضَى شهادة أن محمدا رسول الله، كما أن الهجرة الأولى مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله. وعن هاتين الهجرتين يُسأَلُ كل عبد يومَ القيامة وفي البرزخ، ويُطالَب بهما في الدنيا، فهو مطالَب بهما في الدُّور الثلاثة: دار الدنيا (1)، ودار البرزخ، ودار القرار. قال قتادة (2): “كلمتان يُسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ “. ص25

  • وقال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} (2). وهذا (3) دليل على أن من لم يكن الرسول أولى به من نفسه فليس من المؤمنين، وهده الأولوية تتضمن أمورًا: منها: أن يكون أحبَّ إلى العبد من نفسه؛ لأن الأولوية (4) أصلها الحب، ونفس العبد أحب إليه (5) من غيره، ومع هذا فيجب (6) أن يكونَ الرسول أولى به منها، وأحبَّ إليه منها؛ فبذلك يحصل له اسم الإيمان. ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمالُ الانقياد والطاعة والرضى والتسليم وسائر لوازم المحبة، من الرضى بحكمه، والتسليم لأمره، وإيثاره على كل من سواه (7). ص31

  • والمقصود أن الواجب الذي لا يتمُّ الإيمانُ بل لا يَحصُلُ مسمَّى الإيمان إلا به مقابلةُ النصوص بالتَّلقِّي والقبول، والإظهار لها، ودعوة الخلق إليها, لا تُقَابَل بالإعراض (7) تارةً، وباللَّيِّ أخرى. قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}؛ (1) فدَلّ هذا على أنه إذا ثبت لله ولرسوله (2) في كل مسألة من المسائل حُكْمٌ طلبيٌّ أو خبريٌّ، فإنه ليس لأحد أن يَتَخَيَّر لنفسه غير ذلك الحكم فيذهب إليه، وأن ذلك ليس لمؤمن [ولا مؤمنة] (3) أصلًا، فدلَّ على أن ذلك (4) مُنافٍ للإيمان. وقد حكى الشافعي - رضي الله عنه - إجماعَ الصحابةِ والتابعين ومَن بعدهم على أنّ من استبانت له سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له أن يَدَعَها لقول أحد (5). ص40

  • ما يأمر به رسوله تَجبُ طاعتُه فيه، وإن لم يكن مأمورًا به بعينه في القرآن، فتجبُ طاعةُ الرسول مفردةً ومقرونةً. فلا يَتوهّمُ مُتَوَهِّمٌ أن ما يأمر به الرسول إن لم يكن في القرآن (1) , وإلا فلا تجب طاعته في؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: “يُوشِكُ رجلٌ شَبعانُ متكئٌ على أريكتِه يأتيه الأمرُ من أمري؛ فيقول: بيننا وبينكم كتابُ الله، ما وجدنا فيه من شيء اتبعناه، ألا وإنّي أُوتِيتُ الكتابَ ومثلَه معه” ص44

  • وأما أولو الأمر فلا تجب طاعةُ أحدهم إلا إذا اندرجت تحت طاعة الرسول، لا طاعة مفردة مستقلة؛ كما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: “على المرءِ السَّمعُ والطاعةُ [فيما أحبَّ وكرهَ] (3) ما لم يُؤْمَرْ بمعصيةِ الله، فإنْ (4) أُمِرَ بمعصيةِ الله، فلا سمع ولا طاعةَ” (5). ص44

  • ثم قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}. وهذا دليل قاطعٌ على أنه يَجبُ رَدُّ موارد النّزاع في كل ما تنازع فيه الناس من الدين كلِّه إلى الله ورسوله، لا إلى أحدٍ غير الله ورسوله، فمن أحال الردَّ على (1) غيرهما فقد ضادَّ أمرَ الله، ومن دعا عند النزاع إلى تحكيم (2) غير الله ورسوله فقد دعا بدعوى الجاهلية. فلا يدخل العبد في الإيمان حتى يَرُدَّ كل ما تنازع فيه المتنازعون إلى الله ورسوله؛ ولهذا قال تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}، وهذا مما ذكرناهُ آنفًا أنّه شرطٌ ينتفي المشروطُ بانتفائه، فدلَّ على أن من حكَّم غير الله ورسوله في موارد النزاع كان خارجًا عن (3) مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر. وحسبك بهذه الآية القاصمة العاصمة بيانًا وشفاءً، فإنها قاصمة لظهور المخالفين لها، عاصمةٌ للمتمسكين بها الممتثلين لما أمرت به؛ {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)} (4). وقد اتفق السَّلف والخلف على أن الردَّ إلى الله هو الردُّ إلى (5) كتابه، والردُّ إلى رسوله (6) هو الردُّ إليه في حياته، والردُّ إلى سنَّته بعد وفاته (7). ص47

  • ثم قال تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)}؛ أي هذا الذي أمرتُكم به من طاعتي وطاعة رسولي وأولي (1) الأمر، وردِّ ما تنازعتم فيه إليَّ وإلى رسولي، خيرٌ لكم في معاشكم ومعادكم، وهو سعادتكم في الدارين، فهو خيرٌ لكم وأحسنُ عاقبَةً. فدلَّ هذا على أن طاعة الله ورسوله، وتحكيم الله ورسوله، هو سببُ السعادة عاجلًا وآجلًا. ومن تدبَّر العالَم والشُّرور الواقعة فيه علم أن كل شَرٍّ في العالم فسببه (2) مخالفة الرسول والخروج عن طاعته، وكل خير في العالم فإنما هو (3) بسبب طاعة الرسول. وكذلك شرور الآخرة وآلامها وعذابها إنما هي (4) موجباتُ مخالفة الرسول ومقتضياتُها، فعاد شرُّ الدنيا والآخرة إلى مخالفة الرسول وما يترتب عليه، فلو أن الناس أطاعوا الرسول حق طاعته لم يكن في الأرض شرٌّ قط. ص 48

  • وقال تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50)} (5). فهذا نص صريح في أن هُدى الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما حصل (6) بالوحي، فيا عجبًا كيف يحصل الهدى لغيره من الآراء والعقول المختلفة والأقوال المضطربة؟ ولكن {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17)}. (7) فأيُّ ضلالٍ أعظمُ من ضلالِ مَن يزعم (8) أن الهداية لا تحصل بالوحي، ثم يحيل فيها على عقلِ فلان ورأيِ فَلْتَان (9)؟ وقولِ زيدٍ وعمرو؟ ص50

  • وقال تعالى: {المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)} (2)؛ فأمر سبحانه باتباع ما أنزل على رسوله، ونهى عن اتباع غيره، فما هو إلا اتباع المُنْزَل أو اتباع أولياءَ مِن دُونِه، فإنه لم يجعل بينهما واسطة، فكل من لم (3) يتَّبع الوحي فإنما اتبع (4) الباطلَ واتبعَ أولياءَ من دون الله، وهذا بحمد الله ظاهر لا خفاء به. ص51

  • فإن قلت: فقد (6) أشرت إلى سفرٍ عظيم وأمر جسيمٍ، فما زادُ هذا السَّفرِ وما طريقُه وما مَركبُه؟ قلت: زَادُه العلمُ الموروث عن (7) خاتم الأنبياء - صلى الله عليه وسلم -، ولا زاد له سواه؛ فمن لم يحصل (8) هذا الزاد فلا يخرج من بيته، وليقعد مع الخالفين. وأما طريقُه: فهو بذل الجهد, واستفراغ الوسع. ولا سبيلَ إلى ركوب هذا الظهر إلا بأمرين: أحدهما: أن لا يَصْبُو في الحق إلى لَومةِ (1) لائم، والثاني: أن تَهُونَ عليه نفسُه في الله؛ فيقدم حينئذٍ ولا يخاف الأهوال, فمتى خافتِ النَّفسُ تأخرتْ وأحجمتْ, وأخلدتْ إلى الأرض. ولا يَتِمُّ له هذان الأمران إلا بالصبر؛ فمن صبر قليلًا صارت تلك الأهوال ريحًا رَخَاءً في حقه تَحمِلُه بنفسها إلى مطلوبه, فبينما هو يخاف منها, إذْ صارتْ أعظمَ أعوانِه وخَدَمِه, وهذا أمر لا يعرفه إلا من دخل فيه. وأما مَركَبُه: فصِدْقُ اللَّجَأ إلى الله, والانقطاع إليه بكلِّيته, وتحقيق الافتقار إليه من كل (3) وجه, والضراعة إليه, وصدق التوكل عليه، والاستعانة به. ص67-70

  • ورأس مال (3) الأمر وعموده في ذلك إنما هو: دوامُ التفكر وتدبر آيات القرآن (4)، بحيث (5) يستولي على الفكر، ويَشْغَل القلبَ، فإذا صارتْ معاني القرآنِ مكانَ الخواطرِ من قلبه وهي الغالبةُ عليه، بحيث يَصير إليها مَفْزَعُه ومَلْجَؤُه، تَمَكَّنَ حينئذٍ الإيمانُ من قلبه (6)، وجلس على كرسيه، وصار له التصرفُ، وصار هو الآمر (7) المطاع أمره؛ فحينئذٍ يستقيم له سَيْرُه، ويتضح له الطريق، وتراه ساكنًا وهو يُبارِي الريحَ: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} (8). ص70

  • وقوله تعالى: {وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37)} فيه دليل على أن آيات الله سبحانه وعجائبه التي فَعَلَها في هذا العالم وأبقى آثارَها دالَّةً عليه وعلى صدقِ رسله، إنما ينتفع بها من يؤمن بالمعاد، ويخشى عذاب الله؛ كما قال تعالى في موضع آخر: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ} (1)، وقال تعالى: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10)} (2). فإن من لا يؤمن بالآخرة غايتُه أن يقول: هؤلاء قومٌ أصابَهم الدهرُ كما أصابَ غيرَهم، ولا زال الدهرُ فيه الشقاءُ (3) والسعادة، وأما من آمن بالآخرة وأشفقَ منها، فهو الذي ينتفع بالآيات والمواعظ. ص83-84

  • أحسنَ إليك من خَلَّاكَ وطريقَكَ ولم يَطْرَحْ شَرَّهُ عليك. ص85

  • إنما الهديةُ النافعةُ كلمةٌ من الحكمة (4) يُهدِيها الرجلُ إلى أخيه المسلم. ص86

  • ومن أراد هذا السفرَ (الهجرة إلى الله) فعليه بمرافقة الأموات الذين هم في العالم أحياء، فإنَّه يَبلُغ بمرافقتِهم إلى مقصدِه، وليحذرْ من مرافقة الأحياء الذين في الناس أموات، فإنهم يَقطَعون [عليه] (5) طريقَه، فليس لهذا السالكِ أنفعُ من تلك المرافقة، وأوفقُ له من هذه المفارقة، فقد قال بعضُ مَن سَلَفَ (6): “شتَّانَ بين أقوامٍ موتى تَحْيا القلوبُ بذكرِهم، وبين أقوامٍ أحياءٍ تموتُ القلوب بمخالطتِهم”. ص86

  • الأخلاق التي أَدَّبَ اللهُ بها رسولَه لا تَتِمُّ (4) إلا بثلاثةِ أشياءَ: أحدها: أن يكون العُودُ طيبًا، فأما إذا (5) كانت الطبيعةُ جافيةً غليظةً يابسةً عَسُرَ عليها مزاولةُ ذلك علمًا وإرادةً وعملًا، بخلاف الطبيعة المنقادةِ اللَّينةِ السَّلِسَةِ القِيَادِ، فإنها مستعدَّةٌ إنما تُرِيدُ الحرثَ والبذرَ. الثاني: أن تكون النفس قويةً غالبةً قاهرةً لدَوَاعِي البطالةِ والغَيِّ والهوى، فإن هذه أعداءُ الكمالِ، فإن لم تَقْوَ النفسُ على قَهْرِها وإلا لم تَزَلْ مغلوبةً مقهورةً. الثالث: علمٌ شافٍ بحقائق الأشياء، وتنزيلُها (6) منازِلَها، يميزُ به بين الشَّحْمِ والوَرَمِ، والزجاجة والجوهرة. ص90

  • وقد كان يُغنِيْ من كثير من هذا التطويل ثلاثُ كلماتٍ كان يكتب بها بعضُ السلف إلى بعض، فلو نَقَشَها العبدُ في لوح قلبه يقرؤها على عدد الأنفاس لكان ذلك بعض ما يستحقه، وهي: “مَن أصلحَ سَرِيرتَه أصلحَ أللهُ علانيتَه، ومَن أصلح ما بينه وبين الله أصلحَ اللهُ ما بينَه وبينَ الناس، ومَن عَمِلَ لآخرتِه كفاه الله مَؤُوْنةَ دنياه”. ص92